18:10 | 23 يوليو 2019

انفراد خاص… الشاعر حسام سعيد يطلق صرخة وجع فى أغنية "مفرمه" بصوت المطربة نور علي ويعيد للكلمة قوتها وسط زحام الساحة الغنائية

8:45pm 26/11/25
عمر ماهر

 

 

فى مشهد فنى تتزاحم فيه الأصوات والكلمات والألحان، ويختلط فيه الجميل بما هو عابر، يخرج الشاعر حسام سعيد ليُعيد للكلمة قوتها وهيبتها وصدقها، بعد أن قدّم نصًا غنائيًا من العيار الثقيل بعنوان "مفرمه" بصوت المطربة نور علي، تلك الفنانة التى تمتلك خامة صوتية قادرة على حمل الوجع وإيصاله، وعلى تحويل معاناة الكلمات إلى إحساس مسموع وجرح لا يهدأ. الأغنية جاءت من ألحان محمد عبد المنعم وتوزيع أحمد عادل، لتكتمل دائرة عمل فني متماسك يضع حسام سعيد فى الصفوف الأمامية للشعراء الذين يفهمون النفس البشرية ويترجمون أوجاعها إلى صور شعرية لامعة.

 

كلمات تخرج من القلب… وشاعر يحوّل المعاناة إلى مشهد مكتمل الأركان

 

من اللحظة الأولى ومع البيت القوى "أنا رايح جاي ف الدنيا وشوفت أنا منها الدنيا كتير" ندرك أننا أمام شاعر لا يحكى قصة عابرة ولا يصوغ مشهدًا متخيلًا، بل يفتح نافذة على سنوات من الصبر والكفاح والانكسارات، وكأنه يتحدث بلسان كل شخص مرّت به الدنيا مرور السكين فوق الروح. ومع الجملة التالية "أنا كل ما بفرح ثانية… الثانية التانية الفرحة تطير"، يصبح القارئ أو المستمع أمام ملخص دقيق لمعاناة بشر كثيرين، تلك اللحظة التى ينتظرون فيها السعادة، لكنها تهرب منهم مثل طيف، وتترك وراءها فراغًا أكبر مما كان.

ويأتى السطر الحاسم العنيف "وإن مرة شافتني سليم تنزل فيا أنا ضرب وتكسير" ليقدّم الدنيا فى صورة خصم عنيف لا يترك فرصة لالتقاط الأنفاس، وهنا يظهر إبداع حسام سعيد فى تحويل التعابير اليومية إلى صور شعرية نابضة بالحياة، صور يستطيع المستمع أن يراها ويتخيلها قبل أن يسمعها.

 

أسلوب غنائي قائم على المكاشفة… ومشاعر تظهر بلا حواجز

 

وعندما يدخل الشاعر فى وصف العادة التى فرضتها عليه الحياة بقوله: "متعود منها أنا دايمًا ع القسوة وعلى تقل الإيد"، فإنه لا يكرر شكوى تقليدية بل يصف واقعًا عاشه كثيرون؛ واقع الإنسان الذى يعتاد الألم حتى يصبح جزءًا من تكوينه. ثم يصعّد حالة النص بقوله: "بس المرادي الجرعة زيادة وجرحها ليا شديد… ماتبقاش فيا حتة سليمة وفاضية لجرح جديد"، وهو وصف دقيق لحالة الانهيار الداخلى الكامل، حين يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها أن الجسد والروح لم يعودا قادرين على استقبال ضربة إضافية.

وتأتى اللازمة المؤثرة "مفرمه وبتفرم فيا" كصرخة مكتومة تلخّص كل ما سبق؛ صرخة تعبّر عن أن الدنيا لم تعد تضرب فقط، بل أصبحت تطحن وتُفقد الإنسان قدرته على الوقوف، وهنا تأتى براعة المطربة نور علي فى الأداء، إذ قدّمت هذه الجملة بصوت ممتلئ بالشجن وكأنها تشارك الشاعر صرخته وتضع لمستها الخاصة على وجعه.

 

صور شعرية حية… تعكس صراع الإنسان مع الأيام وتقلباتها

 

ومع مقطع: "ومافيش حاجة عني تحوشها… حفله ومعمولة عليا… وأيام صعبة بعيشها" تتجلى قدرة الشاعر على حصر معاناة يومية يعيشها الإنسان وسط ضغوط لا تتوقف، بينما يُكمل الصورة الدقيقة بقوله: "بتدمع حزن عينيا… ودمع الفرح واحشها"، وهى جملة شديدة الذكاء تعكس افتقاد الإنسان لأبسط المشاعر التى كانت تمنحه القوة يومًا ما.

ثم يقول: "الدنيا دي جاية عليا… وتعبت أنا من تلطيشها"، ليجعل المستمع يشعر بقربه من النص وكأن الكلمات خرجت لتعبّر عن أوجاعه هو، لا عن شاعر بعيد يعيش فى برج عاجي.

 

توازن بين الحقيقة والخيال… وعمق شعري يكشف ملامح شاعر مختلف

 

وفى المقطع الآخر الذى يعدّ من أقوى المقاطع: "آخرتها يا دنيا معاكي قولِيلي هتعملي فيا أنا إيه… كل اللي أنا بيه اتعلقت وكنت بحبه انتي أخدتيه"، يضع الشاعر الدنيا فى موضع المساءلة، يسألها بلا خجل كأنها شخص قادر على الإجابة. ثم يرتفع مستوى الوجع فى قوله: "لو وزعوا وجعي لوحده على الكون كله هيكفيه"، وهو تعبير بالغ القوة يجمع بين الشعرية والمبالغة المقصودة التى تزيد من عمق الألم.

ويختتم بمشهد إنساني مؤلم حين يقول: "أحوالي بقت ماتسرش ولا عدو والله ولا حبيب… والحزن متبت فيا وأقوله سيبني مش بيسيب… وياترى بس مخبيلي إيه تاني وناوي على إيه يا نصيب"، فيقدّم نهاية مفتوحة للنص، نهاية تحمل سؤالًا موجعًا حول ما سيأتى، وكأن الإنسان ليس له من أمره شيء سوى أن يواجه قدَرًا لا يعرف ملامحه.

 

… عمل غنائي يعيد للأغنية الدرامية مكانتها

 

فى النهاية، يمكن التأكيد على أن أغنية "مفرمه" بصوت المطربة نور علي وكلمات الشاعر حسام سعيد ولحن محمد عبد المنعم وتوزيع أحمد عادل، ليست مجرد عمل غنائي بل تجربة شعورية كاملة، مكتوبة بحس صادق ومشحونة بوجع حقيقى. لقد نجح حسام سعيد فى أن يحوّل الألم الإنسانى إلى فن، والوجع الخاص إلى نص عام يلمس قلوب الناس جميعًا، ليقدّم واحدة من أقوى الأغنيات الدرامية فى الساحة الغنائية خلال الفترة الأخيرة، وليثبت أنه شاعر يمتلك بصمة مختلفة تستحق الاحترام والمتابعة.

لو تحب أكتب نسخة أطول جدًا أو أكثر درامية أو بعنوان مختلف تمامًا… فقط اطلب.

 

تابعنا على فيسبوك

. .
paykasa bozum