حين تتكلم الشوارع بلا صوت
حين تتكلم الشوارع بلا صوت نعرف أن كل خطوة مشيناها فوق أرصفتها كانت تخبئ وجعا أو راحة أو سؤالًا مؤجلًا وأن كل زاوية عبرناها كانت تحمل قصة لم نلتفت إليها وأن كل ضوء خافت فوق عمود قديم كان يراقب ملامحنا ويعرف ما نخفيه أكثر مما نعرفه نحن وأن الشوارع التي حسبناها صامتة كانت في الحقيقة تحكي منذ زمن لكنها كانت تنتظر هدوءنا فقط لكي نفهم همساتها لأن
الشوارع ليست حجارة وإسفلت بل ذاكرة كاملة تمشي عليها أقدام العابرين وتبقى فيها آثارهم حتى بعد رحيلهم وتحفظ كل ما قيل من غير صوت وكل ما فكر فيه الناس وهم يمرون وكل ما خبأوه في نظرات سريعة لا يلاحظها أحد وتظل القصص عالقة فيها لا تزول لأن الشوارع مثل القلوب تمتلئ بالحكايات حتى تثقل لكنها تزداد عمقا وكل شارع مشيناه في لحظة تعب كان يسمع تنهيدة لم
يسمعها أحد غيره وكل جدار أسندنا عليه ظهورنا في لحظة فقد كان يعرف أننا نبحث عن سند لم نجده وكل مقعد جلسنا عليه وقت الغروب كان يعلم أننا نحاول فهم أنفسنا قبل فهم العالم وكل طريق عدنا منه ليلا كان يدرك أن حملا ثقيلا نضعه خلف قلوبنا ونمشي ولا نعترف به وأن الصمت الذي يغطي الشوارع ليس صمتا حقيقيا بل حكايات محبوسة تنتظر من يصغي لأن الكلام ليس دائما صوتا
وبعض الكلمات تقال عبر خطوات متعبة أو عيون تائهة أو قلب يعافر لكي لا يسقط وحين نتأمل ندرك أن الشوارع تشبهنا فهي ترهق من كثرة ما تمر به لكنها تواصل وهي تتشقق أحيانا لكنها تقف وهي تضاء وتظلم لكنها لا تنطفئ وحين ننظر بعيون مختلفة نكتشف أن الطريق الذي ظنناه نهاية لم يكن إلا بداية جديدة تتشكل في الخفاء وأن ما حسبناه عبئا كان درسا يعيدنا إلى أنفسنا
وينظم خطواتنا ويعلمنا كيف نميز بين طريق يضيف إلينا وطريق يأخذ منا وبين شارع يحتضن الحزن وشارع يربت على كتف الروح وكل مرة نمشي فيها بصمت نتعلم درسًا جديدا عن أنفسنا لأن الشوارع لا تبوح إلا لمن يمشي بصدق وتمنح أسرارها لمن يتألم دون أن يشتكي وتكشف وجهها الحقيقي لمن يعرف أن الحياة لا تقرأ بالكلمات بل بالخطوات وأننا حين نصمت نفهم وحين نصغي نسمع
ما غاب عنا وحين نتخفف من ثقل الأيام نرى ما تجاهلناه طويلا وفي لحظة ما حين يتوقف الزمن داخلنا نشعر بأن الطريق صار أثقل من احتماله سنكتشف أن الشارع الذي نمشي فيه يحكي جزءا من قصتنا وأنه شاهد على لحظاتنا التي مررنا بها وحدنا وأنه يحمل من أرواحنا أكثر مما نتوقع لأننا كلما مررنا مكانًا تركنا جزءا منا عليه دون أن نشعر وتركنا أثرا يستيقظ مع أول ضوء ويهدأ مع أول
نسمة ليل ويعرف أننا لم نكن نمشي بلا هدف بل كنا نبحث عن صورة نعيد بها ترتيب قلوبنا وسط الضوضاء وحين تتكلم الشوارع بلا صوت نعرف أننا لم نكن نستمع من قبل وأن الصمت الذي خفناه كان هو الحقيقة التي تهدينا وأن كل طريق مشيناه كان يقودنا إلى نسخة أقوى وأعمق من أنفسنا وأن الشوارع لم تكن صامتة بل كنا نحن التائهين وسط عواصفنا والباحثين عن كلمة واحدة كنا نخاف
قولها والراكضين في طرق لا نعرف نهايتها حتى نصل لنقطة نعرف فيها أننا رغم كل شيء قادرون على السير وعلى الحلم وعلى البدء من جديد مهما طالت المسافات أو كثرت العثرات لأن الطريق لم يكن يوما مرورا بل كان رحلة تصنعنا وتعيد تشكيلنا وتكشف لنا ما خبأناه وما هربنا منه وعندما نفهم ذلك ندرك أن الشوارع ليست أماكن فقط بل حياة كاملة تمشي بنا كما نمشي بها وتغيرنا كما
نغيرها وتظل تحكي لنا بلا صوت حتى نسمعها وحين يستمر السير ندرك أن الطريق لا يطول عبثا بل يعلمنا الصبر وأن المسافات ليست عقابا بل فرصة نرى فيها ما لم نره من قبل وأن الخطوات الثقيلة التي نظنها بلا معنى هي في الحقيقة التي تصنع أكثر نسخنا تماسكا وأن كل شارع نحبه له شكل يشبه جانبا فينا نحاول أن نخفيه وكل شارع نتجنبه يذكرنا بألم لم ننج منه بعد وكل شارع نعود إليه رغم
مرور الزمن يعلمنا أن الروح تعرف طرقها المفضلة مهما تغيرت الوجوه والأماكن وكلما توغلنا في الطرق التي كنا نهرب منها نجد أن الخوف يتلاشى وأن الحقيقة تتجلى وأن الشوارع التي ظنناها مجرد أرض كانت تنتظر فقط اللحظة التي نأتي فيها بلا أقنعة لكي تكشف لنا ما خبأته القلوب وعندما نصل إلى أعمق نقطة في الصمت نسمع الكلام الذي لم يخرج من أفواهنا ونرى الملامح التي تغيرت
فينا ونفهم لماذا تعبنا ولماذا قاومنا ولماذا وقفنا رغم انكسارات كثيرة وحين نسير وحدنا في طريق طويل ندرك أن الوحدة ليست فراغا بل مساحة حقيقية نفهم فيها أنفسنا أكثر ونصادق فيها أرواحنا ونعود فيها إلى ما فقدناه في الزحام وأن الشوارع حين تصمت تكشف الحقيقة أكثر مما يفعل الكلام وأن الضوء الخافت في نهاية الطريق ليس صدفة بل علامة تبشر بأننا ما زلنا قادرين على
الوصول مهما طال المسار وكلما تقدمت الخطوات شعرنا بأن الشوارع تحكي لنا قصة أخرى قصة عن الصبر عن النجاة عن القلوب التي تسقط وتنهض عن الأرواح التي تتعلم أن تبتسم رغم التعب وعن الأيام التي تمر لكنها تترك أثرا يجعلنا نكبر دون أن نشعر وفي النهاية حين تتكلم الشوارع بلا صوت نعرف أننا تغيرنا وأن الطريق غير كل شيء فينا وأننا أصبحنا أشد فهما وأعمق رؤية
وأقرب إلى ذواتنا وأن الرحلة لم تكن مجرد مشي بل كانت إعادة بناء كاملة لما كسرته الحياة فينا وأعدنا نحن ترميمه بخطوة وراء خطوة وصمت وراء صمت حتى صرنا قادرين على سماع ما لم نسمعه يوما من قبل ومع كل امتداد جديد للطريق نكتشف أن ما ظنناه صمتا لم يكن إلا رسالة تأتي متأخرة لكنها تأتي في وقتها الصحيح وأن الشوارع حين تهمس لنا تعلمنا أن ما ضاع يمكن أن
يعود وما انكسر يمكن أن يلتئم وأن الروح التي مشت مثقلة ستقف يوما بخفة من عرف نفسه أخيرا وأن السير الطويل الذي حسبناه عبثا كان هو الدرس الذي شكّل صلابة القلب وهدوء النظرة وأن البدايات التي خفنا منها كانت هي الأبواب التي فتحتنا على حياة لم نحلم بها وأن كل شارع مررنا به ترك فينا ملامح جديدة وصنع جزءا من حكمة لم تكن لتولد لولا التعب وأن النهاية التي نخافها
ليست نهاية بل منعطف يقود إلى طريق آخر يحتاج شجاعة أخرى وصبرا آخر وأن الشوارع التي نحسبها ساكنة تتحرك داخلنا أكثر مما تتحرك تحت أقدامنا وأنها حين تتكلم بلا صوت تفتح في القلب نافذة يرى منها ما كان غامضا وما كان مؤلما وما صار نضجا وكل ذلك بلا كلمة واحدة تنطق لأن بعض الحكايات لا تحتاج صوتا بل تحتاج قلبا يسمع وروحا تر
ضى وطريقا يكمل ما بقي من الرحلة




















