انفراد خاص… الشاعر محمود سليم يوقّع واحدة من أعذب أغانيه فى "يا بو الروايح" ويُشعل المشهد الغنائى بنَفَس مختلف وحس مصرى أصيل
فى وقت تتزايد فيه الأغنيات السريعة وتختفى فيه المساحة المخصصة للكلمة العميقة، يخرج الشاعر محمود سليم ليعيد تشكيل المشهد بكلمات تحمل رائحة الزمن الجميل، وتعيد للأغنية الشعبية الراقية مكانتها، بعدما قدّم عملًا مختلفًا جذب الانتباه بقوة وهو "يا بو الروايح" بصوت المطربة سيرا كاشون وألحان إبراهيم صبري وتوزيع عمر مصطفى محفوظ، ليضع بصمته كأحد أبرز الأقلام الشابة التى تمتلك قدرة على إحياء روح الطرب بكلمات سلسة لكنها عميقة، بسيطة لكنها متقنة، عفوية لكنها مليئة بالصور الشعرية الخلابة.
كلمات تحمل عبق الورد… وتكتب خطوط الغرام بصوت القلب
من أول بيت فى الأغنية، يعلن محمود سليم أن المستمع على موعد مع حالة مختلفة، فبيت "يا بو الروايح يا ورد يا بو الروايح… ببعت سلام من قلبي لقلب حبيبي رايح" ليس مجرد افتتاحية، بل مدخل لعالم كامل من المشاعر، عالم تتداخل فيه الحنينات مع لذة الانتظار، وتختلط فيه رائحة الورد بنداء الشوق، ليجعل السامع يعيش لحظة شاعرية صافية خالية من التكلّف، وكأن الشاعر يدعو الورد نفسه ليكون رسول محبة، لا مجرد رمز جمال، وهنا يظهر التوظيف الذكى للرمز الذى يعتمده سليم، فيحوّل "الروايح" من مفردة لغوية إلى جسر عاطفى ممتد بين قلبين.
قدرة على الغزل الهادئ… وصور شعرية تُصاغ بخيط من الضوء
وعندما ينتقل الشاعر إلى قوله: "كل الكلام فيه أنا بغزله والخيط ما كفّي… حتى الجمال ولحد عنده خلاص ده صفي"، فهنا يبرز أسلوبه الخاص فى الغزل؛ أسلوب يجمع بين البساطة والمجاز، بين الصدق والعذوبة، إذ يقدّم صورة حميمية دقيقة تجعل المستمع يشعر وكأنه أمام عاشق يحاول أن ينسج بالكلمات ما لا تستطيع اللغة أن تحمله، وهو ما يعكس قدرة الشاعر على التعبير عن فيض المشاعر دون مبالغة، بل فى إطار مصري دافئ وسلس. وزاد قوة الصورة تعبيره الساحر: "ده كلامه لو نقط عسل نملاه فصفايح"، وهو تعبير شعبي أصيل يعكس بلاغة الموروث المصرى فى أبهى صوره، ويوضح أن الكلمة هنا ليست مجرد معنى، بل حلاوة تسكن الروح.
عشق لا يعرف الفصال… وأمان يشعر به القلب قبل الأذن
وفى المقطع الذى يقول فيه الشاعر: "هو المراد هو اللى ليه نار قلبي قايده… هو اللى من دون الخلايق روحي رايده" تتجلى حالة العشق فى أقصى صورها، عشق قائم على اليقين لا الالتباس، وعلى الانتماء وليس مجرد الإعجاب، إذ يقدّم الشاعر شخصية العاشق الذى لا يرى فى الدنيا سوى شخص واحد أصبح هو المراد وهو المأوى وهو المركز الذى تدور حوله المشاعر والأمنيات. ويستكمل بنبرة أكثر تحديًا وصدقًا فى قوله: "لا بحب غيره ومش عايزه أسمع نصايح"، ليؤكد أن الحب هنا حالة قرار، لا مجرد انفعال مؤقت، وأن البطلة لا تُعير اهتمامًا لأى رأى آخر طالما قلبها قد اختار.
ملامح شاعر يعرف كيف يصنع التفاصيل… ويحوّل البساطة إلى لوحة ممتدة
ويتجلّى وعي محمود سليم الشعري بشكل أوضح عندما يكتب: "من بصه فعنيا صبح أغلى الغوالي… ملفوف بتوب مغزول حرير وبحبه غالي"، فهنا تتحول النظرة العادية إلى مشهد يتجاوز الوصف التقليدي، إذ يحيط العاشق في خياله بمن يحب وكأنه قطعة حرير ملفوفة فى ضوء الصباح، وهو تصوير يشبه الأسلوب السينمائي الذى يرسمه الشاعر بالكلمات، ليمنح اللحن مساحة واسعة من التعبير، ويمنح المطربة سيرا كاشون فرصة لتجسيد هذا الدلال بنبرة صوتية تحمل نفس العذوبة.
لغة سهلة… ومشاعر صافية… وبصمة لا تشبه غيرها
ما يميز محمود سليم فى "يا بو الروايح" ليس فقط جودة التعبير أو رقة الصور الشعرية، بل قدرته على صناعة حالة كاملة من البهجة والعاطفة والنوستالجيا، مستخدمًا لغة تخاطب القلب مباشرة، دون تعقيد، ودون أن يفقد النص قيمته الفنية. فالأغنية تُشبه جلسة صافية على شاطئ قديم يشعر فيه الإنسان أن الكلام يخرج من القلب ليصل إلى القلب، وهذا ما جعل كلمات العمل تنتشر بين الناس بسهولة، وتحظى باهتمام فنانين ومتابعين على حد سواء.
عمل غنائى متكامل… يرسّخ مكانة الشاعر فى الساحة
ومع لحن إبراهيم صبري الذى حمل روح الكلمات ووزّعها على جملة موسيقية دافئة، وتوزيع عمر مصطفى محفوظ الذى حافظ على الطابع الشعبي الراقي دون إفراط، اكتملت ملامح عمل فني راقٍ يعيد للأغنية المصرية سحرها القديم مع لمسة معاصرة محببة. وبهذا، يقدم محمود سليم نفسه فى هذا العمل كواحد من الأصوات الشعرية المهمة التى تُعيد للكلمة وزنها، وللذوق مكانته، وللمشاعر حقها فى الظهور بلا ابتذال.
… شاعر يعرف كيف يصنع الفرح بالكلمات
فى النهاية، يمكن القول إن "يا بو الروايح" ليست مجرد أغنية؛ بل تجربة شعورية متكاملة صنعها الشاعر محمود سليم بعناية ودقة وإحساس عالٍ، وقدّم من خلالها نموذجًا فريدًا للأغنية الشعبية الراقية التى تجمع بين الطرب والبهجة والحنين، وتُخاطب وجدان المستمع فى كل كلمة. هذا العمل يضع سليم ضمن قائمة الشعراء الذين يُتوقع لهم مستقبل كبير فى الساحة الفنية، خاصة أنه يمتلك أسلوبًا خاصًا يجمع بين جمال التعبير وصدق الإحساس وروح مصرية خالصة لا تُشبه أحدًا.


















