يومٌ واحدٌ لفلسطين… وسَنَةٌ كاملة لإسرائيل!
تتعاقبُ الأيامُ وتدورُ صفحاتُ التقويم، حتى يقف بنا التاريخ عند التاسع والعشرين من نوفمبر. أيّ يومٍ هذا؟ وما المناسبة التي خُصص لها موقعٌ في الذاكرة العالميّة؟
بقليلٍ من البحث ندرك أنّ الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة قررت عام 1977 أن يكون هذا اليوم «اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني».
لكنّ الحكاية أقدم من ذلك بكثير…
ففي عام 1916، والعالم غارقٌ في أتون الحرب العالمية الأولى، جلس الإنجليز والفرنسيون على طاولةٍ باردةٍ يقتسمون أوصال الدولة العثمانيّة في اتفاق «سايكس – بيكو»، ويقسّمون أوطاننا العربية والإسلاميّة كغنيمةٍ بين أيديهم. ولعلّ الكثيرين يومها ظنّوا أنّ الغد سيحملُ رخاءً وازدهاراً لشعوبنا، لكنّ هذا الحلم لم يعش طويلاً؛ إذ جاء «وعد بلفور» عام 1917 ليكشف المصير الذي أُريد للمنطقة كلّها.
كانت يدُ بريطانيا الممتدة بالانتداب على فلسطين تُمهّد لمأساةٍ امتدّ صداها أكثر من قرن، مأساةٍ خُنقت فيها أنفاس الأرض والإنسان والشرق كلّه.
وفي زمنٍ كانت الحراب البريطانية تُشرّد الفلسطينيين وتستجلب اليهود المضطهدين في أوروبا لتوطّنهم مكانهم، لم يقف أحدٌ ليسأل: لماذا يُعوَّض ضحايا العداء الأوروبي لليهود على حساب بيوتِ وأرواحِ شعبٍ آخر؟
وبينما انشغل العالم الغربي بإشعال الخلافات داخلنا، أُعلن في الرابع عشر من مايو 1948 – يوم النكبة – قيامُ إسرائيل داخل أروقة الأمم المتحدة، دون أن يكون للفلسطينيين، أصحاب الأرض، صوتٌ أو رأيّ.
خمسة وسبعون عاماً مرّت على تلك اللحظة. وفي كل صفحة من صفحات التقويم تُعيد لنا الحقيقة وجهها ذاته: الغربُ صديقٌ وحليفٌ لإسرائيل، لا يتردد في دعمها بكل ما يملك. كلّ يومٍ تصلها الأسلحة المتطورة، ويُفتح لها باب الامتيازات والميزانيات الهائلة، وتُغدق عليها المليارات.
وكلّ يومٍ تُبنى المستوطنات، ويُهجَّر الفلسطينيون بأموالٍ ومعدّاتٍ تحمل أسماء الشركات الكبرى في الغرب. وعندما نرفع نحن والشعوب العربية والإسلامية أصواتنا، يظهر القادة الغربيون ليعربوا عن «القلق» و«عدم الرضا»… ثم تعود الدائرة إلى بدايتها!
عامان كاملان وغزة تحت القصف، لا تهدأ سماؤها من هدير الطائرات الإسرائيلية التي تمدّها أوروبا وأمريكا بالقنابل وقطع الغيار، ولا يسمحون حتى بصدور قرارٍ يدينها.
عامان من دموع الأمهات وحسرات الآباء على فلذات أكبادهم الممزّقة، من أطفالٍ يتامى يفترشون ركام البيوت ولا يجدون يدًا تمسح على رؤوسهم.
عامان وغزة تكتبُ بدمها تاريخًا جديدًا للإنسانية، تاريخًا لشعبٍ لم يُغادر أرضه ولم تنكسر له إرادة، رغم جيشٍ مدجّجٍ بالسلاح.
عامان وغزة تُثبت أنّ حقوق الإنسان في هذا العالم تُقاس بميزانٍ مختلّ لا مكان فيه لفلسطين.
ومع ذلك، استطاعت غزة أن تجعل اسم فلسطين يعلو في العالم، وأن تُرهق سيفًا أُريد له أن يمحو وجودها.
وها هي غزة، على أعتاب الشتاء، أرضُ المطر والخيام التي لا تقي بردًا، محاصرةٌ بلا غذاءٍ ولا دواء… حتى إنّ منظمة العفو الدولية صرخت: لا تنخدعوا بحديث وقف إطلاق النار، فالقتل لم يتوقف!
وهكذا، بينما يحتفل العالم في 29 نوفمبر بـ«اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني»، لا نجد هذا التضامن إلا كلماتٍ على ورقٍ بارد. يومٌ واحدٌ للفلسطينيين… وأيامُ العام كلّها لإسرائيل، دعمًا وتسليحًا وتمويلاً لآلةٍ لا تتوقف عن القتل.
أفلا آن الأوان لنا – نحن الشعوب العربية والإسلامية – أن نكسر هذا المشهد الكالح، وأن نجعل من كلّ يومٍ يومًا لفلسطين، نُظهر فيه للعالم حقيقة ألمِها وصوتِها؟
حتى لا يأتي غدٌ يسألنا فيه أطفالُنا: ماذا فعلتم لإخوتكم في فلسطين؟
فنجد أن الصمت… هو الجواب الوحيد.



















