
حجم الخط:
لم يكن رفض القاهرة الانضمام إلى اتفاق مكة الدفاعي وليد إقصاء أو تجاهل، بل جاء قرارا سياديا صادرا عن إرادتها المستقلة، قوامه رؤية استراتيجية متأنية. وفيما يلي أبرز مرتكزات هذا الموقف:
· أولا: ترى مصر في الاتفاق إطارا سياسيا أكثر منه تحالفا عملياتيا قابلا للتفعيل الميداني، لذا تتعامل معه بوصفه بيان نوايا لا عقد التزام عسكري نافذ.
· ثانيا: تتحرى القاهرة في سياستها الإقليمية ألا تنحاز في صراع التوجهات بين الرياض وأبوظبي، إذ هي مضطرة للتنسيق السياسي مع الأولى في قضايا السودان والصومال، كما أنها تعتمد في الوقت ذاته على الاستثمارات الإماراتية بشكل واسع، وهو ما يفرض عليها توازنا دقيقا يمنع الميل الكامل إلى أي طرف من الطرفين.
· ثالثا: تستند دوائر صنع القرار في مصر إلى قناعة راسخة بأن دول الخليج، مهما بلغ سخطها من واشنطن في لحظة راهنة، تبقى عاجزة عن الاستغناء عن الغطاء الأمني الأمريكي؛ فالحماية الأميركية – في نظر هذه الدوائر – تظل الضامن الفعلي لأمن الخليج، قبل أي مواجهة محتملة مع إيران وبعدها، وما أي تعاون دفاعي مع أنقرة أو إسلام آباد أو القاهرة إلا إضافة تكميلية لا تشكل بديلا قط.
· رابعا: جرت مباحثات ثنائية بين مصر وقطر حول تصورات أولية لدور مصري في ترتيبات أمنية مستقبلية بالمنطقة، وفقا لما أفاد به مسؤول مصري مطلع. بيد أن المصدر نفسه ميز بين هذا الدور المحتمل وبين الانخراط في منظومة أمنية غير عربية تضم تركيا وباكستان، مؤكدا أن القاهرة لا تؤيد الدخول في مثل هذه الأطر.
· خامسا: ترى مصر أن جامعة الدول العربية قد أقرت بالفعل اتفاقية الدفاع المشترك، وهي توفر الإطار القانوني الكافي لأي دعم عسكري عربي للسعودية، ومن ثم فلا مبرر لاستحداث التزام جديد يدخل أطرافا غير عربية في معادلة أمنية معقدة.
· سادسا: تنفر القاهرة من عقد اتفاق دفاعي مع تركيا، نظرا لعلاقاتها المتشابكة مع اليونان وقبرص، كما تتحفظ على اتفاق مماثل مع باكستان في وقت تسعى فيه إلى تعزيز روابطها الاقتصادية مع الهند.
وخلاصة القول، إن الموقف المصري يستند إلى حسابات متعددة، تجمع بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية، ما يجعله رفضا مبنيا على تقدير واع لا على استبعاد مفروض








