تقارير وتحقيقات

حين يكون الجنرال انساناً …انطباعات من لقاء خاص مع مدير أمن سوهاج اللواء أشرف عبد المالك

حجم الخط:
بعيدًا عن لغة البيانات الرسمية، وبعيدًا عن الأسئلة الصحفية المعتادة، كان لقائي مع اللواء أشرف عبد المالك، مدير أمن سوهاج، مختلفًا في تفاصيله وانطباعاته.
أنت أمام شخصية أمنية من طراز خاص؛ ابتسامته تسبق حديثه، وهدوءه يسبق كلماته، وإدراكه لتفاصيل الملفات يسبق أي سؤال يمكن أن تطرحه. يتحدث عن سوهاج وكأنه يحمل أمامه صورة فوتوغرافية كاملة للمحافظة؛ يعرف أهلها جيدا تفاصيلها، جغرافيتها وملفاتها، وطبيعة شوارعها ومشكلاتها، والأهم أنه يدرك أن الأمن ليس مجرد إجراءات وقوات وحملات، وإنما علاقة يومية بين المواطن والدولة.
وخلال الحديث، تحدث اللواء أشرف عبد المالك بإيجاز شديد عن الأمن والامان الذى تمتاز به مصر عن غيرها من الدول، لكنه كان إيجازًا يحمل الكثير من المعاني. بدا واضحًا أنه يتعامل مع المواطن باعتباره محورًا أساسيًا في منظومة الأمن، وأن الحفاظ على هيبة الدولة لا يعني أبدًا إغفال ظروف الناس أو تجاهل لقمة عيشهم.
ومن أكثر الكلمات توقفت عندها أثناء حديثه، ما يتعلق بحملات رفع الإشغالات. فقد رفض أن تتحول الحملة إلى مجرد إغلاق للمحال أو قطع لأرزاق أصحابها. وفي إحدى الحملات، عندما وجد أحد المواطنين يسارع إلى غلق محله، طلب من القوات ألا يتم غلق المحل، في رسالة بسيطة لكنها عميقة: القانون يُطبق، والفوضى تُواجه، لكن لقمة عيش المواطن تظل أمرًا لا يمكن تجاهله.
ومن باب الفضول الصحفي، سألته عن الملفات الأمنية التي تحظى بالاهتمام الأكبر لديه: هل هي المخدرات؟ أم الثأر والسلاح؟ أم إنهاء الخصومات؟ أم مواجهة السرقات؟ أم جرائم البلطجة؟ أم أن هناك ملفات أخرى أكثر أهمية؟
ابتسم كثيرًا، ثم نظر إليَّ وقال بما يشبه المداعبة التي تحمل في داخلها قدرًا من القراءة لشخصية من أمامه: «أنت صحفي عجوز!» ثم أوضح أن التعامل مع تلك الملفات لا يكون بمنطق المفاضلة بينها، وإنما من خلال منظومة متكاملة، وأن الإجابة لابد أن تكون فى إطار العلاقات العامة والإعلام للوزارة .
كانت الإجابة بالنسبة لي أبلغ من مجرد تحديد ملف أمني بعينه؛ لأنها كشفت أن الرجل ينظر إلى العمل الأمني باعتباره منظومة متشابكة، لا مجموعة ملفات منفصلة، وأنه يدرك جيدًا أن الأمن في النهاية ليس فقط ضبط الجريمة، وإنما إدارة العلاقة بين أجهزة الدولة والمواطن والمجتمع.
وخلال اللقاء، لمست كذلك تقديره الواضح لدور الصحافة والإعلام، وإدراكه لأهمية الصحفيين الذين يتعاملون مع قضايا الدولة وملفاتها بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن الإثارة لمجرد الإثارة. وكانت كلماته عن الدولة المصرية ودورها في ترسيخ الأمن والاستقرار تحمل قدرًا كبيرًا من القناعة، خاصة عندما أشار إلى أن مصر تعيش مرحلة يشعر فيها المواطن بالأمان، مستشهدًا بما صدر من إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمستوى الأمن في مصر.
والحقيقة أن الجلوس مع اللواء أشرف عبد المالك يمنحك شعورًا غريبًا بالارتياح؛ تشعر وكأنك تجلس مع شخصية تعرفها منذ سنوات، لا مع يمثل أحد أعلى قيادات الهرم الأمني في محافظة كبيرة بحجم سوهاج. شخصية مضيافة، بشوشة، تحسن استقبال ضيفها، وكلما هممت بالمغادرة وجدت حوارًا جديدًا يبدأ، وكأن الرجل لا يريد للقاء أن ينتهي سريعًا.
حتى عندما تحدثت معه عن أحد المطالب التي تخص نادى طهطا، كان رده ببساطة وابتسامة: « دع الشباب والرياضة يقدم مذكرة بالموضوع ونفحص مرة أخرى ». وهي إجابة تعكس مسؤولًا لا يغلق الأبواب أمام مطالب الناس، وإنما يطلب أن تسلك طريقها الصحيح.
وقد أسعدني بشكل خاص ما قاله عن الصحافة والصحفيين أمام الزميل إسلام، وهي كلمات أعتز بها؛ لأنها جاءت من مسؤول أمني يعرف جيدًا قيمة الكلمة ودور الإعلام عندما يكون منحازًا للدولة والمواطن معًا.
غادرت مكتب مدير أمن سوهاج وأنا أتمنى له التوفيق في مهمته، لكن اللقاء ترك لديَّ انطباعًا أكبر من مجرد لقاء مسؤول بصحفي.
وستظل هذه النوعية من اللقاءات محفورة في الذاكرة؛ مثل لقاءات سابقة مع قيادات أمنية لم تنل منها السنوات.
كلمة أخيرة…هناك شخصيات لا يكفي أن تقول عنها «مسؤول» أو «قيادي»؛ لأن حضورها يتجاوز المسمى الوظيفي.
وبالنسبة لي، فإن اللواء أشرف عبد المالك، من الشخصيات التي تنطبق عليها كلمة واحدة أراها أكبر من مجرد رتبة أو منصب الجنرال.
فالجنرال الحقيقي ليس فقط من يجيد إدارة الملفات، وإنما من يعرف كيف يجمع بين الحسم والإنسانية، الهيبة والبشاشة، قوة الدولة واحترام المواطن.
زر الذهاب إلى الأعلى