مقالات

مريم عماد رمزي تكتب : عن “ركضٍ” لا ينتهي: حين يسرقنا الواقع من أنفسنا

حجم الخط:
أحيانًا لا نلاحظ أننا نركض، حتى نتوقف لحظة فنكتشف أننا ابتعدنا كثيرًا… ليس عن الطريق فقط، بل عن أنفسنا أيضًا.
في مرحلةٍ تبدو وكأنها مفترقٌ طويل لا نهاية له، يجد الإنسان نفسه أمام واقعٍ لم يشبه الصورة التي رسمها في طفولته. كنا نظن أن النضج سيجلب الطمأنينة، لكننا نكتشف أنه مرحلة مثقلة بالتفاصيل، ومسؤوليات تتسع حتى تضيق بنا الحياة نفسها.
تتراكم الالتزامات بين العمل ومتطلبات العيش والفقد أيضًا؛ ذلك الوجه الصامت الذي يترك فراغًا لا يُعوّض. نفقد أحبّة ورفقاء، وتتغير أشياء، لكن الأثر يبقى كظلٍّ لا يغادر، حتى وإن استمرت الحياة في الخارج بشكل طبيعي.
وفي هذا الركض المستمر، يتسلل الوقت بهدوء، فتتشابه الأيام وتفقد حدّتها. يصبح الإيقاع اليومي دائرة مغلقة، لا جديد فيها سوى مزيد من الاستنزاف، فيتحول التعب من جسدٍ مرهق إلى روحٍ مثقلة بالملل وفقدان المعنى.
نعيش حالة من التناقض المستمر؛ بين شعورنا الداخلي بأننا ما زلنا في بداية الطريق، لم نكتمل بعد، ولم نُهيأ لتحمّل كل هذا الثقل… وبين واقع يفرض علينا أدوارًا أكبر من أعمارنا، ويجبرنا على النضج سريعًا. نركض لنلحق بكل شيء، وكأن التوقف رفاهية لا نملكها.
لم يُخبرنا أحد أن هذه السنوات قد تأخذ منا أكثر مما تمنحنا، وأننا سنضطر أحيانًا للتخلي عن أجزاء من أحلامنا لنحافظ على استقرارٍ ما. ولم يُخبرنا أيضًا أن أقصى ما قد نتمناه في بعض الأيام ليس النجاح أو الإنجاز، بل مجرد هدنة قصيرة… لحظة هدوء لا نُطالب فيها بشيء.
وحين تتحول الحياة إلى “يجب” بدلًا من “أريد”، يتسرب منا الإحساس بالحضور، وتتراكم الخسارات الصغيرة والكبيرة في الخلفية.
ولعل الأصعب ليس الضغط وحده، بل ذلك الشعور الصامت بأن العمر يُستهلك في ما لا يشبهنا، وأن ما حلمنا به يومًا صار بعيدًا
ومع ذلك، فإن إدراك هذا كله ليس هزيمة، بل بداية وعي مختلف؛ لحظة ننتبه فيها أننا ابتعدنا قليلًا عن أنفسنا، ويمكننا—ولو تدريجيًا—استعادة مساحات صغيرة من التوازن.
تبقى هذه المرحلة، رغم قسوتها، جزءًا من رحلة أطول لفهم الذات، والبحث عن حياة أكثر هدوءًا وصدقًا… وتبقى تلك رفاهيتنا الحقيقية: أن ننجو بأنفسنا، وسط كل ما نحمله، وما نفقده، وما نحاول أن نكونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى