مقالات

مريم عماد رمزي تكتب : حياة الأطباء في مصر… على الحافة بين الألم والإنسانية

حجم الخط:
في حياة الأطباء في مصر، لا يوجد يوم عادي بالكامل.
كل يوم يحمل وجعًا جديدًا، وحكاية جديدة، ومحاولة جديدة لفهم الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة.
داخل المستشفيات لا نتعامل فقط مع الأمراض، بل مع الخوف، والفقد، والعجز، والوحدة، والأسئلة الثقيلة التي يطرحها الألم على البشر حين يضيق بهم العالم ويصبح الاحتمال نفسه معركة يومية.
فهي ليست مهنة تؤدى في ساعات عمل وتنتهي، بل احتكاك دائم بعمق المعاناة الإنسانية.
نقف كل يوم أمام بشر أرهقتهم الحياة قبل أن يرهقهم المرض، ونحاول رغم كل شئ
أن نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا الكم الهائل من الألم،
نسمع أصواتًا منهكة، وقلقًا مستمرًا، وصمتًا يحمل ما هو أثقل من الكلام.
وفي الداخل، تحدث معارك صامتة
كيف يستطيع إنسان أن يحتمل كل هذا؟
كيف يمكن لجسد أن يستيقظ كل يوم فقط ليقاوم؟
وكيف يتحول الألم أحيانًا إلى قوة هائلة تدفع الإنسان للنجاة، وأحيانًا أخرى إلى شيء يلتهم روحه ببطء حتى يصبح مجرد ظل لنفسه القديمة؟
ومع الوقت، يدرك الطبيب أن الألم لا يكشف المرض فقط، بل يكشف الإنسان نفسه.
يكشف هشاشته، وحدوده، وخوفه، والأماكن المنهكة داخله، وقدرته المدهشة أحيانًا على المقاومة رغم كل شيء.
فبعض البشر يحملون داخلهم طاقة عجيبة للاستمرار حتى بعدما يفقدون كل أسباب القوة، وكأن الإنسان خُلق وفي داخله غريزة خفية تدفعه للحياة مهما أثقلته الخسائر.
لكن أكثر ما يترك أثره هو التعامل اليومي مع أصحاب الأمراض المزمنة.
هناك نوع من الألم لا يأتي كعاصفة ثم يرحل، بل يستقر داخل حياة الإنسان ويعيد تشكيلها بالكامل.
ألم لا يزور الإنسان مؤقتًا، بل يسكن معه، ينام بجواره ويستيقظ معه كل صباح.
أصحاب الأمراض المزمنة يعيشون معركة لا تنتهي.
معركة مع أجسادهم، ومع الوقت، ومع نظرة الناس، ومع خوفهم الدائم من المستقبل.
يستيقظون كل يوم على الإرهاق نفسه، وعلى الإحساس نفسه بأن أجسادهم لم تعد تشبههم كما كانت، وأن أبسط الأشياء التي تبدو عادية للآخرين أصبحت تحتاج منهم جهدًا نفسيًا وجسديًا هائلأ
فهو يستهلك الروح ببطء شديد.
يأخذ من الإنسان ما لا ينتبه لها أحد؛
إحساسه بالأمان داخل جسده، ثقته في قدرته على الحركة، شعوره بالاستقلال، قدرته على الحلم بالمستقبل دون خوف، وحتى علاقته بالحياة نفسها.
ومع تكرار الألم، يصبح الإنسان في حالة تفاوض يومي مع جسده؛
يحاول أن يعمل، أن يتحرك، أن يبتسم، أن يبدو طبيعيًا، بينما داخله يخوض حربًا مستمرة لا يراها أحد.
وهنا تظهر قسوة واقع آخر لا ينفصل عن الطب في مجتمعنا … الفقر.
فالألم في بلادنا لا يأتي وحده غالبًا، بل يصاحبه عبء مادي قاسٍ يجعل المرض أكثر وحشية مما هو عليه.
يرى الأطباء مرضى يؤجلون علاجهم لأن تكلفة الدواء أكبر من قدرتهم، وآخرين يختصرون جلساتهم العلاجية لأن الحياة أصبحت أغلى من أن تسمح لهم بالشفاء الكامل.
يرون أجسادًا استنزفها العمل الشاق لسنوات طويلة دون راحة، ثم يُطلب منها فجأة أن تتعافى، كأن الحياة لم تترك فيها شيئًا سليمًا ثم عادت تطالبها بالمقاومة من جديد .
وفي العلاج الطبيعي تحديدًا، يصبح الأمر أكثر عمقًا وقسوة وإنسانية في الوقت نفسه.
لأن العلاج الطبيعي ليس مجرد جلسات وتمارين، بل رحلة طويلة جدًا بين السقوط والمحاولة والرجاء.
لا يرى المريض للحظات عابرة، بل يرافقه في رحلة استعادة حياته نفسها، خطوة بخطوة، وألمًا بألم.
هناك مرضى لا يحلمون بالشفاء الكامل، بل فقط بأن يستطيعوا الوقوف وحدهم مرة أخرى، أو المشي لبضع خطوات دون خوف، أو تحريك أيديهم ليشعروا أنهم ما زالوا قادرين على الإمساك بالحياة.
أحلام تبدو بسيطة جدًا للآخرين، لكنها بالنسبة لهم تعني استعادة الكرامة، واستعادة جزء من أنفسهم التي سلبها المرض.
وفي كل جلسة، يدرك الطبيب أن ما يبدو حركة بسيطة قد يكون بالنسبة لهذا المريض انتصارًا هائلًا على العجز واليأس والخوف.
ولهذا فطبيب العلاج الطبيعي لا يعالج العضلات فقط، بل يتعامل يوميًا مع الإحباط المتراكم داخل البشر.
يتعامل مع خوفهم من أن يصبحوا عبئًا على من يحبون، ومع غضبهم من أجساد لم تعد تستجيب كما كانت، ومع ذلك الحزن الصامت الذي يعيشه الإنسان حين يشعر أن حياته القديمة تبتعد عنه تدريجيًا.
وأحيانًا يصبح دوره الحقيقي هو إعادة الأمل قبل إعادة الحركة.
أن يجعل المريض يؤمن مرة أخرى أن التحسن ممكن، وأن الجسد رغم ضعفه ما زال قادرًا على المقاومة، وأن الإنسان ليس مجموع ما فقده فقط.
في تلك اللحظات، يفهم الطبيب أن الجسد ليس مجرد عضلات وأعصاب ومفاصل، بل ذاكرة كاملة للألم والخوف والمحاولات الفاشلة والرجاء أيضًا.
وأن إعادة تأهيل الإنسان ليست مجرد خطة علاجية، بل محاولة لترميم العلاقة المكسورة بينه وبين جسده والحياة من جديد.
ورغم كل ما يراه الأطباء يوميًا من قسوة وفقد ومعاناة، يبقى هناك شيء صغير يجعلهم يستمرون؛
لحظة يستعيد فيها مريض جزءًا من قدرته، أو يبتسم بعد شهور من العجز، أو يشعر للمرة الأولى أنه لم يعد وحيدًا في معركته.
وربما لهذا السبب تصبح الإنسانية داخل المستشفيات شيئًا مقدسًا.
لأن الطب في جوهره ليس مجرد علاج للأجساد، بل محاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى من روح الإنسان وسط عالم يثقل عليه بالألم كل يوم
زر الذهاب إلى الأعلى