مقالات

عبدالحى عطوان يكتب: خطوات على جسد الموت

حجم الخط:
كانت الصدفة وحدها هى التى قادتنى إليه عند انطفاء آخر خيوط النهار، حين بدأت الشمس تذوب ببطء خلف الأفق، تاركةً فوق السماء وهجًا برتقاليًا حزينًا، يشبه لوحةً رسمها الألم بيد فنان مُرهف الحس، تختبئ بين تفاصيلها حكايات البشر المنسيين.
هناك، لمحته يسير مترنحًا فى طرف الطريق…
رجلٌ لم يتجاوز العقد الرابع من عمره، لكن الزمن مرّ فوق جسده كإعصارٍ لم يُبقِ منه سوى بقايا إنسان. وجهٌ شاحب، وظهرٌ منحنى، وعينان غارقتان فى الهزيمة، وثيابٌ رثة تحمل آثار معارك طويلة خاضها وحده. كان أشبه بطيفٍ خرج تَوًّا من بين المقابر، لا يرافقه سوى رهط من الكلاب الضالة، وكأن المدينة لفظته إلى هامشها البعيد.
توقفت أتأمله طويلًا…
يا للهول! كان وجهًا غادرته نضارة الأيام، تقاطعت فيه تجاعيد العمر بقسوة، حتى بدت عروقه شاخصةً نافرةً خارج جلده المُرتخى.
شيخوخة مبكرة اغتالت ملامحه، وخطوات متعثرة توحى بأن الحياة نفسها لم تعد ترغب فى بقائه. شعرت لحظتها أن هذا الرجل لا يحاول السير بقدر ما يحاول الاختفاء… كأنه يرتكب جريمة صامتة بحق نفسه، ويحاول أن يخفى آثارها عن العالم.
اقتربت منه مدفوعًا بدهشة ممزوجة بالخوف..
كان وجهه يحمل خرائط كاملة من الانكسار، مِعْطَفًا رَثًّا عفا عليه الدهر، وبانت علامات البِلى على أطرافه، ويختبئ خلف نظارة شمسية كأنما يتخذها درعًا لمواراة ملامحه عن البشر. هيكلٌ عظمىٌّ ضربه عصف الزمن، لا تماسك فيه إلا حذاؤه الذى اصطبغ بلونٍ بُنّىٍّ مُحْمَرٍّ، وعروقه بارزة فوق جلد أنهكه السقوط.
وحين شعر بنظراتى، تمتم بصوت واهن: «دعنى… لا أريد أن أستيقظ.»
كانت الكلمات تخرج من بين أنفاس متقطعة، كأنها أنين روح تتآكل ببطء. ثم نظر إلىّ منكسرًا وقال: «أشعر أن الموت يسير خلفى منذ سنوات… لم أعد أعرف الطريق إلى بيتى، ولا أتذكر حتى ملامحى القديمة.»
صمت قليلًا…
ثم بدأ يحكى حكايته التى تشبه وجع آلاف الغارقين فى بئر الإدمان.
قال إنه لم ينتبه يومًا إلى اللحظة التى تحولت فيها المخدرات من تجربة عابرة إلى مقصلة تذبح عمره قطعةً قطعة. استيقظ ذات مرة داخل غرفة مستشفى، وأنابيب الأكسجين تحاصر أنفاسه، والأطباء يتهامسون حول حالة ميؤوسٍ منها. وحين انتهى العلاج المؤقت، طُرد وحيدًا، فلا أهل ينتظرونه، ولا يد تمتد لإنقاذه.
كان الإدمان قد ابتلع كل شىء…
وأصبح مجرد ظلٍ ثقيل يهرب الجميع من الاقتراب منه.
ثم قال بصوت كاد يُبكينى: «أنا هو القاتل والقتيل. ألقيت بنفسى فى بئر الإدمان، والآن يعصف الألم بكل عضو فى جسدى: رعشة، وسيلان، وحرقة فى المآقى، وصداع يكاد يفلِق هامتى. لقد تجرعت “الشابو” و”الهيروين” حتى تعفنت روحى، فعشت تيهًا فى الأزقة. هجرتنى المرأة التى كانت سكنى، وتبرأ منى الأبناء بعد أن صرت لهم عارًا ناطقًا. واليوم.. مضيت لأوقع بيدى على شهادة فنائى، فما عادت الحياة تساوى شيئًا بعد أن أصبحت منبوذًا مثل أجرب يتحاشاه العابرون. وما تبقى من عمرى مجرد انتظار للنهاية.»
فى تلك اللحظة، لم أفكر فى لومه…
لم أره مذنبًا بقدر ما رأيته إنسانًا هزمته قسوة الطريق، واستدرجه الشيطان إلى حفرة بلا قاع. أمسكت يده جيدًا، وقررت أن أتمسك بما تبقى داخله من رغبة فى النجاة.
أخذته إلى دار لعلاج الإدمان… وتابعت معه رحلة السقوط والانسحاب والألم والعلاج النفسى، حتى جاءت اللحظة التى خرج فيها من هناك متعافيًا، يستعيد ملامحه ببطء، وكأن الحياة تعيد تشكيله من جديد.
وفى أول نزهة بعد تعافيه، التفت إلىّ بعينين امتلأتا برجاء حقيقى وقال: «لا تتركنى وحدى… فأنا أريد الحياة.»
حينها فقط أدركت أن بعض البشر لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى يدٍ تنتشلهم قبل أن يغرقوا تمامًا.
وكتبت يومها: «قد تكون هناك حياة لهؤلاء… بعد الانتحار البطيء
زر الذهاب إلى الأعلى