حين يصبح الألم مشهدًا… كيف استعدنا القسوة وفقدنا إنسانيتنا؟

لم يعد ما نسمعه يوميًا مجرد أخبار عابرة يمكن تجاوزها أو وضعها تحت عنوان “حوادث فردية”، بل تحوّل إلى مشهد متكرر يحمل نفس الملامح: قسوة، صمت، وانهيار تدريجي في الإحساس.
القصة لا تبدأ من واقعة واحدة، بل من سلسلة وجع متصلة، تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تشير إلى معنى واحد.
فتاة مثل “بسنت” لم تُقدم على إنهاء حياتها فجأة، ولم تكن تبحث عن الموت بقدر ما كانت تبحث عن مهرب. ضغوط متراكمة، قسوة محيطة، وصمت مجتمعي لا يسمع ولا يحتوي. تُركت وحدها في لحظة كانت تحتاج فيها إلى من يمد لها يدًا، فوجدت نفسها في مواجهة عالم أثقل من قدرتها على الاحتمال، حتى أصبح الرحيل في نظرها أخف من البقاء.
وفي مشهد آخر لا يقل قسوة، تتحول مجموعة من السيدات إلى طرف في جريمة جماعية، لا تكتفي بالاعتداء، بل تُصر على توثيق الإهانة ونشرها. لم يعد الألم كافيًا في حد ذاته، بل أصبح عرضه جزءًا من الفعل. وكأننا أمام تحول خطير، حيث لم تعد الجريمة تُرتكب في الخفاء، بل تُقدّم على الملأ، ويُعاد تداولها بلا اكتراث.
لكن الصدمة الأكبر تظهر حين تسقط الحماية داخل البيت. حين يتحول القريب إلى مصدر خطر، وتُسلب البراءة من داخل الأسرة نفسها. هنا لا نتحدث فقط عن جريمة، بل عن انهيار لمعنى الأمان، وسقوط لفكرة أن البيت هو الملاذ الأخير.
ثم يأتي المشهد الأكثر صمتًا… شاب يقف أعلى كوبري القليوبية، ينظر للحياة للحظة أخيرة، وكأنه يراجع كل ما مر به، يبحث عن سبب واحد يجعله يتمسك بالبقاء. لكنه لا يجد. فيقرر القفز، لا لأن الموت هدفه، بل لأن الحياة فقدت معناها في داخله.
هذه الوقائع، على اختلاف تفاصيلها، ليست منفصلة كما تبدو. هي خيوط متشابكة لنسيج واحد يتفكك بهدوء. مجتمع بدأ يفقد حساسيته تجاه الألم، يرى المشهد فيمر عليه، يسمع الاستغاثة فلا يتحرك، ويشاهد الجريمة أحيانًا كأنها مادة للعرض، لا مسؤولية تستدعي التدخل.
المشكلة لم تعد فقط في وقوع هذه الأحداث، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. في اعتيادنا عليها، في تبريرها أحيانًا، وفي صمتنا الذي يمنحها مساحة أكبر للتكرار. الأخطر أن القسوة لم تعد مرفوضة بالقدر الكافي، وأن التعاطف لم يعد رد الفعل الطبيعي كما كان.
ورغم قتامة الصورة، فإن التوقف عند حدود الرصد لا يكفي، لأن ما وصلنا إليه لم يحدث فجأة، ولن يتغير من تلقاء نفسه. استعادة التوازن تبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة الإنسان قبل أي شيء. أن ندرك أن الألم ليس مشهدًا، وأن كرامة الآخر ليست مادة للنشر أو التعليق، وأن الصمت في لحظات معينة ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة.
ما نحتاجه ليس فقط قوانين تُطبق، رغم أهميتها، بل وعي يُبنى من جديد. وعي يُعيد تعريف القوة على أنها رحمة، ويُعيد تعريف الشجاعة على أنها تدخل لإنقاذ، لا وقوف للمشاهدة. الأسرة تعود لتكون مساحة أمان حقيقية، يُسمع فيها الأبناء دون خوف، وتُلاحظ فيها التغيرات قبل أن تتحول إلى كوارث. والمدرسة والإعلام لا يكتفيان بنقل الواقع، بل يساهمان في تصحيحه.
كما أن الاعتراف بوجود ضغط نفسي حقيقي لم يعد رفاهية، بل ضرورة. فكم من قصة انتهت بشكل مأساوي كان يمكن أن تتغير لو وُجدت مساحة للحديث، أو يد تمتد في الوقت المناسب. كسر الصمت حول الألم النفسي قد يكون الفارق بين الحياة والموت في لحظات كثيرة.
في النهاية، ما نواجهه ليس مجرد أزمات متفرقة، بل اختبار حقيقي لقدرتنا على البقاء كمجتمع حي يشعر ويتفاعل. الطريق لم يُغلق بعد، لكن الاستمرار في التجاهل يعني فقدان المزيد.
إما أن نستعيد إنسانيتنا ونرفض هذا التآكل بهدوء، أو نواصل الاعتياد… حتى يصبح ما نخشاه اليوم هو القاعدة غدًا.

