منوعات

حديث الجمعة  أخلاقيات ضاعت فى زمن المادة

حجم الخط:

في عتمة الفجر الصادق، تخلقت قصةٌ ليست ككل القصص، بطلها رجلٌ لم يطلب من الدنيا جاهًا ولا ثناءً، بل كان يبتغي سترًا من الرزاق ورضا يملأ قلبه اليقين. هو “عم عادل”، ابن سوهاج الأبية، ذو الواحد والأربعين عامًا، الذي تآلف مع شظف العيش حارسًا لعقارٍ باليومية في قرية سلامون بمركز طما، يطعم أبناءه الأربعة لقمة حلالٍ مغموسة بعرق الكفاح والكبرياء، متمسكًا بعزة نفسه رافضًا أن يمد يده لأحد.

كانت خطاه اليومية تمضي بسكينة نحو المسجد، يشدّه الشوق إلى الصلاة والوقوف بين يدي الله، لكن في ذلك الصباح المشهود، قبل وقفة العيد بيوم، تأخرت خطاه بضع دقائق، فلم يدرك الإقامة. ولم يكن ذلك التأخير إلا تدبيرًا ربانيًا وتكليفًا غيبيًا، ليصنع الله على يديه معجزة نجاةٍ كُتبت مقاديرها في السماء؛ مما يعلمنا أن لله حكمة بالغة في كل ما يطرأ على حياتنا من تفاصيل.

بينما كان يسعى في طريقه، شق سكون الفجر صراخٌ مرعب واستغاثات تفطر القلوب، كانت تنبعث من جوف مطعم “زين السوري” في الشارع المجاور للمسجد. هرع البطل نحو مصدر الصوت، ليلتقي بنارٍ مستعرة التهمت المكان إثر تسريب غاز مخيف، في مشهدٍ تتزلزل له الأقدام وتتراجع أمامه الشجاعة. لكن عم عادل لم يكن يتحرك بقوة جسده، بل كان مدفوعًا بيقينٍ راسخ يملأ جوارحه، فما إن سمع أنات المستغيثين حتى انتفض قلبه رحمةً، ولم يتردد ثانية واحدة في اقتحام ذلك الأتون المشتعل.

في قلب الجحيم، حيث الدخان يحجب الأبصار والحرارة تصهر الحديد، رأى ستة من الشباب والأنفس تحشرج في صدورهم، والنار قد علقت بثيابهم ووجوههم وشعرهم. امتدت يداه الطاهرتان لتلتقطا طفاية حريق لفحتها النيران حتى صارت كالجمر، فلم يبالِ باحتراق كفيه، بل أخذ يصارع الموت ويقذف بكتل اللهب بعيدًا عن أجساد الشباب. كان صوته يتردد وسط الدخان مستفسرًا بنبل الفرسان: “مين جوه؟ حد لسه جوه؟”، وكانت قدماه تحترقان من شدة سخونة الأرض، ولم يكن على لسانه في تلك اللحظات العصيبة إلا مناجاةٌ صادقة تنبعث من أعماق روحه: “يارب خليك معايا”.

لقد كان إيمانه بالله وحسن توكله عليه هو الدرع السابغ الذي يحميه، ويقينه برعاية الخالق هو المحرك الذي دفعه ليعود إلى قلب النار لينقذ آخر العمال، بل ويشارك في إخراج أربع أسطوانات غاز كانت على وشك الانفجار وإحداث فاجعة كبرى، لتصل جهود الدفاع المدني بعد ذلك وتخمد الحريق دون أي خسائر في الأرواح.

دفع عم عادل ضريبة شهامته من جسده النحيل، ومكملش كام ثانية بعد خروجه حتى أغمي عليه وسقط على الأرض، لينقل إلى المستشفى مصابًا بحروق شديدة من الدرجة الثانية في أطرافه وأجزاء من جسده، مع إنهاك شديد أصاب عضلاته وأعضاءه من شدة الحرارة. وتحملت عائلته البسيطة نفقات علاجه وضِماده من جيبها الخاص، لكن روحه بقيت محلقة في آفاق الرضا التام. وحين سئل لاحقًا عما إذا كان سينكص على عقبيه لو علم بحجم إصابته، تجلى إيمانه اليقيني في كلماته الخالدة: “أنا أول ما شفت النار كنت متأكد إني ممكن أتصاب، وممكن أموت كمان.. لكن أنا مفكرتش غير في الناس اللي كانت بتصرخ، وكنت مستعد أضحي بنفسي علشانهم، حسيت جسمي بيتحرك لوحده، وكأن ربنا بيقولي: أنا معاك، متخافش”.

إن هذا البطل البسيط، الذي يرقد اليوم على فراش المرض يتحمل آلامه الصعبة برضا وصبر جميل، أثبت للعالم أجمع أن البطولة لا تحتاج إلى ألقاب أو أضواء بل تنبت من طين الأرض الطيب، وأن الشهرة الزائفة تتضاءل أمام عظمة المواقف الصادقة. ومهما بلغت الجروح من جسده، فإن وسام الشرف والرجولة الذي طُبع على جبينه سيظل محفورًا في قلوب العائلات الست التي أنقذ أبناءها، وفي وجدان كل إنسان يقدر المروءة والإيثار.

وفي كل مسحة ألم يشعر بها هذا الرجل الصابر، يرتفع مقامه عند رب العباد، ويكبر في عيون أبنائه الأربعة الذين باتوا يملكون اليوم إرثًا من الفخر لا تشتريه أموال الأرض؛ إرثًا عنوانه أن أباهم افتدى بأكفه الغالية أرواحًا كادت أن تزهق، وأنه حين سار في ظلمات الفجر، عاد يحمل النور لستة بيوت كاد أن يخيم عليها ظلام الفقد والحزن. ويبرز هنا درس بليغ للمجتمع بمؤسساته وأفراده؛ وهو ضرورة رعاية هؤلاء الأبطال وتكريمهم بما يليق بصنيعهم، وتأمين وظيفة مستقرة تضمن مستقبل عائلته، كنوع من رد الجميل وتأكيدًا على أن الخير ما زال حيًا في أمتنا.

ستبقى كفوف عم عادل المحترقة شاهدةً على زمنٍ تعالت فيه الماديات، لكنها عجزت أن تطمس نبل النفس الإنسانية؛ لتظل قصته ملحمة ملهمة تؤكد أن من كان مع الله في الرخاء، وجده معه في قلب النار والشدة، يحفه برعايته، ويخرج من وسط الهلاك معجزة نجاة تظل شاهدة على أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأن الخير باقٍ في هذه الأرض إلى قيام الساعة. فالحمد لله الذي سلم بطلنا، وحفظ خطاه، وجعل صنيعه منارة للرحمة والإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى