تقارير وتحقيقات

بـ5 أدلة علمية قاطعة.. عالم آثار يرد على ادعاءات وسيم السيسي بشأن الأهرامات

حجم الخط:

ردّ الدكتور علي أبو دشيش، خبير الآثار المصرية، على التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الدكتور وسيم السيسي، الباحث في تاريخ مصر القديمة، التي زعم خلالها أن الأهرامات ليس مقابر لملوك قدماء المصريين، وإنها محطات لتوليد الطاقة، مشيرًا إلى أنها بنيت قبل 20 ألف عام، وأن دور خوفو وخفرع ومنقاورع يقتصر على أنهم قاموا بترميمها فقط.

أكد أبو دشيش أن الحضارة المصرية القديمة قامت على العلم والعمل والعقيدة، والأهرامات هي المعجزة المعمارية والهندسية التي شيدها المصريون القدماء بأياديهم، لتكون مقابر خالدة لملوكهم العظام، مشيرًا إلى أن الرد على هذه النظريات وتفنيدها بالحقائق الأثرية والدلائل العلمية هو واجب قومي، للحفاظ على تاريخنا وتراثنا من التشويه والاجتهادات غير المتخصصة.

وقال أبو دشيش في تصريحات إلى مصراوي: “يخرج علينا بين الحين والآخر من يطرح آراءً وادعاءات بعيدة تمامًا عن منهج البحث العلمي والأثري، تُجرّد الحضارة المصرية القديمة من جوهرها العقائدي والديني، ولعل آخر هذه الادعاءات ما تُردده بعض الأصوات حول أن الأهرامات لم تكن سوى محطات لتوليد الطاقة، وأن عدم وجود مومياوات داخل الهرم الأكبر ينفي كونه مقبرة”

وأضاف: “هناك دلائل أثرية ونصوص قاطعة لا تقبل الشك، أو التأويل، ترد على هذه المغالطات وتوضح الحقيقة للرأي العام”.

ولفت إلى أن الدلائل الأثرية لتأكيد أن الأهرامات مقابر لملوك الفراعنة تشمل ما يلي:

الفكر المصري القديم قام بالكامل على عقيدة “البعث والخلود” والعالم الآخر، والهرم لم يكن مجرد بناء هندسي مجرد، بل هو جزء من “المجموعة الهرمية” الكاملة (تضم معبد الوادي، الطريق الصاعد، المعبد الجنائزي، والهرم نفسه).

وكان الهرم يمثل “المعبر” أو “الدرج” الذي يصعد عليه الملك المتوفى إلى السماء ليلتحق بالآلهة وبالإله “رع”. وتحويل هذه الفلسفة العقائدية العميقة إلى مجرد “محطة طاقة” هو تفريغ للحضارة المصرية من مكنونها الروحي والفني.

الادعاء بعدم العثور على مومياء داخل هرم خوفو لاتخاذه ذريعة لنفي صفة المقبرة عنه، هو ادعاء يتجاهل واقع التاريخ الأثري، لأن الأهرامات تعرضت للنهب والسرقة منذ أواخر الدولة القديمة وخلال عصر الانتقال الأول، وصولًا إلى العصور الإسلامية والحديثة.

وأوضح اللصوص لم يتركوا الذهب ولا المومياوات الملكية، والتاريخ يذكر كيف فُتحت الأهرامات ونُهبت محتوياتها، فيما يتوسط، تابوت خوفو الجرانيتي، “غرفة الملك” داخل الهرم الأكبر وهو تابوت ضخم من الجرانيت الوردي المصنوع بدقة متناهية، وهو مفرغ من الداخل وبحجم لا يمكن إدخاله عبر الممرات الضيقة بعد بناء الهرم، مما يعني أنه وُضع أثناء البناء ليكون مستقراً أخيراً لجسد الملك خوفو.

وأشار أبو دشيش إلى أنه إذا كان هرم خوفو قد تعرض للسرقة الكاملة، فإن الأهرامات المجاورة والأصغر حجماً قدمت أدلة قاطعة لا تقبل التشكيك؛ حيث عُثر على بقايا مومياء الملك جَدْ كَا رَع إِسِسِي (من الأسرة الخامسـة) داخل هرمه في سقارة، كما عُثر على أجزاء من الهيكل العظمي والمومياء الخاصة بـ الملك مَنْكاوْرَع (صاحب الهرم الثالث بالجبانة ذاتها في الجيزة) والتي نُقلت إلى المتحف البريطاني، فضلاً عن بقايا أجساد ملكية في أهرامات دهشور واللاهون وهرم مرن رع.

من أهم الأدلة التي حسمت قضية بناء الأهرامات كـ “مقابر” وأنهت أسطورة الفضائيين أو محطات الطاقة، هو اكتشاف مقابر العمال بناة الأهرامات على يد عالم الآثار الكبير الدكتور زاهي حواس، وهذا الاكتشاف الأثري العظيم أثبت أن الأهرامات بُنيت بإرادة وسواعد مصرية سخرت حياتها لخدمة الملك وتشييد مقبرته الخالدة.

وعُثر داخل مقابر العمال على ألقاب ووظائف واضحة تُعرب عن طبيعة العمل، مثل “مشرف جانب الهرم” و”مفتش أعمال البناء”، كما أن التخطيط المعماري لمقابر هؤلاء العمال جاء على شكل “أهرامات مصغرة”، وتضم رفاتهم وأدواتهم الجنائزية، مما يؤكد أن الفكرة العقائدية لبناء المقبرة الهرمية كانت راسخة لدى الملك والشعب على حد سواء، وأن الهرم لم يكن آلة ميكانيكية بل مقبرة مقدسة.

إذا أردنا الدليل العلمي المادي القاطع الذي يحسم ملف هرم خوفو تحديداً، فهو اكتشاف “برديات وادي الجرف” (أقدم برديات في تاريخ البشرية). هذه البرديات تتضمن سجلات يومية للمفتش “مرر”، وهو أحد المشرفين على فريق العمال الذين نقلوا أحجار الجرانيت والبازلت من طرة وأسوان لبناء الهرم الأكبر، وتذكر البردية صراحة اسم الهرم وهو “أفق خوفو”، وتصف إدارة العمل لبناء مقبرة الملك خوفو العظيمة تحت إشراف مهندس المشروع “عنخ خاف”، فهل كانت الدولة المصرية تسجل مستندات رسمية يومية لنقل أحجار مقبرة ملكية لتبني “محطة كهرباء”؟!

ابتداءً من هرم الملك “أوناس” (آخر ملوك الأسرة الخامسة) وفي أهرامات الأسرة السادسة بسقارة، جُصصت جدران الغرف الجنائزية بـ “متون الأهرامات”، وهي أقدم نصوص دينية وجنائزية في العالم. هذه النصوص تتضمن صلوات وتعاويذ واضحة موجهة لحماية جثمان الملك المسجى في تابوته ومساعدته على البعث في العالم الآخر، ووجود هذه النصوص على جدران الغرف الجنائزية داخل الهرم هو أكبر دليل كتابي على أن المنشأة برمتها منشأة جنائزية مقدسة

زر الذهاب إلى الأعلى