عبدالحى عطوان يكتب: الشرفة والرحيل والعودة
لم يبتعد كثيرًا. كان الطريق الممتد أمامه يشبه خطًا باهتًا لا يحمل يقينًا، ومع ذلك واصل السير فيه كمن يدفع نفسه بعيدًا عن وجعه أكثر مما يبتعد عن المكان. حاول إقناع قلبه بأن ما تركه خلفه صفحة انتهى زمنها… طريق وصل بالفعل إلى نهايته. لكنّ شعور الفقد ظلّ يثقل صدره كلما خطا خطوة إضافية.
كان الغروب يهبط ببطء، والسماء تجمع آخر ألوانها قبل أن تُسدل ستار الليل، حين شعر بحركة خفيفة خلفه. لم يلتفت في البداية؛ فقد درّب نفسه طويلًا على تجاهل كل ما قد يشده إلى الوراء. لكن وقع خطوات معيّنة، خطوات تعرفها ذاكرته قبل أذنيه، جعله يستدير دون أن يفكّر.
كانت هي.لم تكن تحمل أكياسًا كما اعتاد، ولا تلتف حول هاتفٍ يسرق انتباهها. كانت تمشي بخطى هادئة، كأنها تقترب من حقيقة ظلّت تهرب منها لسنوات. توقفت على بُعد خطوات منه، ونظرت إليه بدهشة لا تشبه دهشة العابرين… دهشة من يكتشف أن مَن كان يبحث عنه، كان قريبًا منه طوال الوقت.
وللمرة الأولى يرى عينيها مباشرة.
ملامحها كما حفظها، بريق عينيها، احمرار وجنتيها، شعرها المنسدل على كتفيها، ذلك القوام الذي يغطيه إيشارب مزركش الألوان.
قالت بصوت خافت يحمل مزيجًا نادرًا من التردد والجرأة:"أأنت… صاحب الشرفة؟"
تجمّد مكانه. بدا كأنه في حلم يخشى أن يوقظه أحد. تلاحقت نبضاته كأنها تحاول اللحاق بمعنى سؤالها قبل أن يفوته.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، تساعده على التقاط أنفاسه التي فاجأها الموقف، ثم أضافت:"كنت أراك دائمًا… ألاحظ وجودك، لكنني لم أعرف كيف أقترب. ظننت أنك تفضّل الصمت… وأنني مجرد ظلّ يمرّ أمام نافذتك."
حاول أن يجمع كل السنوات التي صمت فيها في جملة واحدة.قال أخيرًا، بصوت اتسع فيه ما كتمه طويلًا:"كنت أراك… كأنك علامة طريقٍ لا تخطئها روحي."
ثم همس:"كان الزمن يقف كلما مرّ طيفك… بل كانت الحياة نفسها تتوقف حين تلوّحين بالرحيل."
ساد صمت. ليس صمت تردد، بل صمت اعتراف لم يُصَغ بعد بالكلمات.اقتربت خطوة منه وقالت بنبرة دافئة، كأنها تكشف سرًّا دفينًا:"لم أكن عابرة في الشارع فقط… كنت أبحث عنك دون أن أفهم لماذا."
ثم تابعت كمن يعترف لنفسه قبل أن تعترف له:"شيء ما كان يربطني بتلك النافذة… حتى حين كانت تُغلق، وحتى حين كانت وطأة الغياب تثقلني."
في تلك اللحظة، شعر بأن السنوات التي قضاها على الشرفة لم تكن ضائعة كما ظن، بل كانت تمهيدًا لتلك اللحظة… لحظة لا تُشبه الواقع بقدر ما تُشبه أمنية وُلدت من الصبر.
اقترب منها أكثر، كمن يستعيد عمرًا كاملاً ظلّ مؤجلاً، وقال وهو يدرك أن قراره بالرحيل انهار أمام وجودها:"ربما كنت أستعد للرحيل… لكنك أنتِ وحدِكِ جعلتِ الطريق يعود إليّ."
ابتسمت. وامتدّ بينهما صمت جديد… صمت لا يشبه صمت الشرفة المعلقة بين الانتظار والرحيل، بل يشبه بداية قصة طال غيابها عن الحياة.وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر أن قلبه ينبض بالحياة… ليس عالقًا في الماضي، بل يتجه نحو غدٍ يحملها معه.
وهكذا… لم يكن الرحيل حلًا،
بل كان الطريق الذي قاده إليها.




















