تقارير وتحقيقات
أحمد سعيد يرسخ مفهوم “الرعب التوعوي” في “السر الأسود”.. عندما تتحول الإثارة إلى خط دفاع مجتمعي ضد الدجل
هبه محمد

حجم الخط:
في ظل التوسع الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي وانتشار المحتوى المرتبط بالغموض والخوارق، تبرز الحاجة إلى إعلام مسؤول لا يكتفي بإثارة الفضول أو صناعة المشاهدات، بل يسعى إلى توظيف عناصر التشويق في خدمة الوعي المجتمعي. ومن هذا المنطلق يواصل الإعلامي أحمد سعيد تقديم تجربة إعلامية مختلفة عبر برنامج “السر الأسود”، الذي استطاع أن يحول ملف الدجل والشعوذة من مجرد مادة ترفيهية مثيرة إلى مشروع توعوي يهدف إلى حماية المجتمع من مخاطر الاستغلال الفكري والنفسي والمالي.
لقد نجح البرنامج في اقتحام واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا داخل المجتمعات العربية، وهي ظاهرة الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون الأزمات الإنسانية والمشكلات الشخصية لتحقيق مكاسب غير مشروعة. فبدلاً من الاكتفاء بعرض القصص الغامضة أو الحوادث المثيرة للرعب، اتجه البرنامج إلى تحليل الظاهرة من جذورها، كاشفًا الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل بعض الأفراد فريسة سهلة لمروجي الخرافة والأوهام.
الدجل كظاهرة اجتماعية لا مجرد قصة غامضة
تكمن أهمية الطرح الذي يقدمه أحمد سعيد في أنه يتعامل مع الدجل باعتباره ظاهرة اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود الحكايات الفردية. فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود الدجال فحسب، بل في البيئة التي تسمح له بالانتشار والتأثير.
وتشير العديد من الدراسات الاجتماعية إلى أن الأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية والبحث عن حلول سريعة للمشكلات المعقدة تمثل عوامل رئيسية تدفع بعض الأشخاص إلى اللجوء إلى المشعوذين. وهنا يأتي دور الإعلام الواعي في كشف هذه الممارسات وتوضيح أساليب الخداع المستخدمة، وهو ما يسعى إليه برنامج “السر الأسود” من خلال تقديم محتوى يعتمد على التفسير والتحليل بدلاً من التهويل أو الترويج غير المباشر للخرافة.
من الخوف إلى المعرفة
اللافت في تجربة “السر الأسود” هو نجاحها في إعادة تعريف مفهوم برامج الرعب والغموض. فالرعب هنا لا يُستخدم كغاية مستقلة، وإنما كوسيلة لجذب الانتباه نحو قضية مجتمعية خطيرة.
فالبرنامج ينطلق من حقيقة مهمة مفادها أن الخوف وحده لا يحقق الحماية، بينما المعرفة هي السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة الخداع. لذلك يركز المحتوى على تفكيك الحيل والأساليب التي يستخدمها المشعوذون، وشرح الطرق التي يتم من خلالها استدراج الضحايا نفسيًا وعاطفيًا، بما يساعد المشاهد على اكتساب قدرة أكبر على التمييز بين الحقيقة والوهم.
ومن خلال هذا النهج يتحول المشاهد من متلقٍ سلبي للأحداث إلى مشارك واعٍ قادر على فهم الظاهرة وتحليلها، وهو ما يمثل نقلة نوعية في طبيعة البرامج التي تتناول هذا النوع من القضايا.
التفاعل الجماهيري ودلالاته
التفاعل الواسع الذي تحققه حلقات البرنامج على منصات التواصل الاجتماعي لا يعكس فقط نجاحًا إعلاميًا أو ارتفاعًا في نسب المشاهدة، بل يكشف عن وجود اهتمام حقيقي لدى الجمهور بفهم الظواهر المرتبطة بالدجل والشعوذة.
فكل موجة من التعليقات والمناقشات التي تلي عرض الحلقات تؤكد أن المجتمع يبحث عن إجابات وتفسيرات موضوعية بعيدًا عن المبالغات والخرافات. كما أن هذا التفاعل يشير إلى تنامي الوعي بخطورة النصب الروحي والابتزاز النفسي الذي يمارسه بعض مدعي امتلاك القدرات الخارقة أو المعرفة الغيبية.
وفي هذا السياق يؤدي البرنامج دورًا يتجاوز حدود الشاشة ليصبح جزءًا من عملية تثقيف مجتمعي مستمرة، تسهم في نشر الوعي وتحفيز النقاش العام حول الظواهر السلبية التي تهدد الأمن الفكري والاجتماعي.
الإعلام التوعوي في مواجهة الدجل الرقمي
مع انتقال أنشطة الدجل والشعوذة إلى الفضاء الإلكتروني، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لانتشار المحتوى المضلل والإعلانات الوهمية التي تستهدف الباحثين عن العلاج أو حل المشكلات الأسرية والعاطفية والمالية.
وهنا تتضاعف مسؤولية الإعلام المهني في كشف هذه الأساليب الحديثة وتوعية الجمهور بمخاطرها. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى “السر الأسود” باعتباره نموذجًا للإعلام الوقائي الذي يسعى إلى منع وقوع الضحايا قبل حدوث الضرر، من خلال تقديم المعرفة اللازمة لاكتشاف الخداع والتعامل معه بوعي.
فالمعركة ضد الدجل لم تعد تقتصر على مواجهة أشخاص بعينهم، بل أصبحت مواجهة ضد منظومة كاملة من التضليل تستفيد من التكنولوجيا الحديثة للوصول إلى جمهور أوسع، الأمر الذي يجعل من البرامج التوعوية ضرورة مجتمعية لا رفاهية إعلامية.
معادلة صعبة بين التشويق والمسؤولية
أحد أبرز عوامل نجاح أحمد سعيد يتمثل في قدرته على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الجذب الجماهيري والمسؤولية المهنية. فبينما يعتمد البرنامج على عناصر التشويق والإثارة التي تجذب المشاهد، فإنه لا يسقط في فخ التهويل أو الترويج للخرافة، بل يوظف هذه العناصر لخدمة هدف أكثر عمقًا يتمثل في بناء وعي مجتمعي مستنير.
وهذه المعادلة ليست سهلة في عصر المنافسة الرقمية المحتدمة، حيث تميل بعض المنصات إلى تقديم المحتوى المثير على حساب الدقة أو الفائدة. إلا أن “السر الأسود” يقدم نموذجًا مختلفًا يثبت أن المحتوى التوعوي يمكن أن يكون جذابًا ومؤثرًا في الوقت نفسه.
خاتمة
يمثل برنامج “السر الأسود” تجربة إعلامية تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب نجاحها الجماهيري، وإنما لأنها تعكس تحولًا مهمًا في مفهوم الإعلام التوعوي. فمن خلال الجمع بين التشويق والتحليل، وبين الرعب والوعي، استطاع أحمد سعيد أن يقدم نموذجًا يؤكد أن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يسهم في تقديم أدوات مواجهتها.
وفي وقت تتزايد فيه محاولات استغلال حاجات الناس ومخاوفهم عبر منصات الدجل والشعوذة التقليدية والرقمية، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، ويغدو الإعلام المسؤول شريكًا أساسيًا في حماية المجتمع. ومن هنا تبرز قيمة “السر الأسود” كمنصة لا تكتفي بإثارة التساؤلات، بل تسعى إلى تقديم الإجابات التي تحصن الأفراد وتدعم استقرار المجتمع








