مقالات

عبدالحى عطوان يكتب: حين تتحول العقوبة من ردع الجريمة إلى معاقبة الفقر

حجم الخط:
ليست كل النواب نوابًا للناس أو صوتا لهم بل ليست كل القوانين العادلة قاسية، ولا كل القوانين القاسية عادلة. وبين هاتين الحقيقتين يقف مشروع تعديل قانون «سرقة التيار الكهربائي» مثيرًا جدلًا مشروعًا حول فلسفة التشريع وحدوده، وهل الهدف هو حماية المال العام فقط، أم حماية المجتمع بأكمله بما فيه المواطن البسيط.
مشروع القانون المقترح، الذي يتضمن تشديد العقوبات لتصل إلى غرامات تبدأ من 100 ألف جنيه وقد تبلغ مليون جنيه، مع الحبس لمدة تصل إلى ستة أشهر، أعاد طرح سؤال قديم متجدد: هل نُشرّع بالعقوبة أم نُشرّع بالعدالة؟
في هذا السياق، تبرز عدد من الأصوات البرلمانية كل منها كصوت برلماني محسوب للضمير الاجتماعي، حين أعلن صاحبه رفضه القاطع لتغليظ العقوبات بهذه الصورة. موقف لا يدافع عن المخالفة، بل يرفض الخلط بين الجريمة المنظمة والاحتياج الإنساني.
ونحن هنا لم ننكر خطورة سرقة التيار الكهربائي، ولم نببرر التعدي على المال العام، لكنه طرح منطقًا غائبًا عن كثير من التشريعات: التفرقة بين نوع المخالفة وظروفها. فليس من العدالة، ولا من الحكمة، أن تُساوى سرقة سلك لإنارة كشاف في شارع أو منزل بسيط، بسرقة تيار لتشغيل مصنع أو منشأة تجارية تحقق أرباحًا طائلة.
الخطر الحقيقي في هذا النوع من التشريعات لا يكمن في الردع، بل في تعميم العقوبة دون تمييز. فعندما تُفرض غرامات ضخمة على أسر بالكاد تؤمّن قوت يومها، تتحول العقوبة من وسيلة إصلاح إلى أداة قهر اجتماعي، وتتحول الدولة من حامية للعدالة إلى خصم في نظر مواطنيها.
والأخطر من ذلك أن آلاف المواطنين الذين دخلوا بالفعل في إجراءات تصالح أو ترخيص، ما زالوا عالقين بين تعقيدات إدارية وبيروقراطية، فهل يُعقل أن نُغلّظ العقوبة قبل أن نُصلح مسار التقنين؟ وهل يُحاسَب المواطن على خطأ لم تُتح له الدولة بعد فرصة حقيقية لتصحيحه؟
القانون، في جوهره، ليس أرقام غرامات ولا مدد حبس، بل هو عقد ثقة بين الدولة والمجتمع. وكلما اختل ميزان هذه الثقة، فقد القانون هيبته، حتى وإن اشتدت نصوصه.
إن ما نحتاجه اليوم ليس تشريعًا غليظًا، بل تشريعًا عادلًا، يردع المتربح، ويحتوي المحتاج، ويُفرق بوضوح بين من يسرق ليُضيء بيته، ومن يسرق ليُضاعف أرباحه. تشريع يحمي المال العام دون أن يُجرّم الفقر.
وفي النهاية، تبقى مثل هذه المواقف البرلمانية تذكيرًا مهمًا بأن قوة القانون لا تُقاس بشدة العقوبة، بل بقدرته على تحقيق العدل بين الناس.وتلك هى المواقف الفاصله بين نائب للناس ونائب على الناس بين صوت لهم تحت القبة وصوت عليهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى