مقالات
فريد عبد الوارث يكتب: مغامرة الرباط بين الحبر والماء

حجم الخط:
اختار المغرب توقيت ذروة الأزمة المائية بين القاهرة وأديس أبابا ليخطو خطوة مثيرة للجدل، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، موقّعًا ومفعّلًا اتفاقًا عسكريًا مع الخصم الأول لمصر في القارة الإفريقية!! لم يكن هذا التوقيت تفصيلًا عابرًا أو صدفة دبلوماسية بريئة بل جاء محمّلًا برسائل سياسية ثقيلة تعكس ـ في نظر كثيرين ـ قِصر نظر استراتيجي ومجازفة غير محسوبة بل وتنكرًا صريحًا لذاكرة التاريخ ومنطقه.
فالأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بتوازنات المصالح الآنية بل بما تختزنه من معانٍ ورموز ، وأزمة سد النهضة بالنسبة لمصر ليست خلافًا عابرًا أو ورقة ضغط تفاوضية بل قضية وجود، ترتبط بشريان حياة اسمه النيل، وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، تُختبر مواقف الحلفاء قبل الخصوم و تُوزن الخيارات بميزان أعمق من حسابات الربح والخسارة السريعة.
لقد وقفت مصر، رغم ثقلها الإقليمي و تعقيدات حساباتها موقفًا ثابتًا لا لبس فيه تجاه قضية الصحراء المغربية، لم تعترف يومًا بالبوليساريو، ولا بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” لا في لحظات قوتها و لا في فترات انشغالها أو ضعفها النسبي و كان ذلك نابعًا من قناعة راسخة بأن وحدة وسلامة الأراضي المغربية جزء لا يتجزأ من منطق الأمن القومي العربي، و من إدراك بأن تفتيت الدول لا يصنع استقرارًا و أن النار التي تشتعل في طرف قد تمتد إلى الجميع.
يبدو أن ما أقدمت عليه الرباط لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الرهانات السريعة والانتصارات الدبلوماسية المؤقتة، ربما أغرتها نشوة اختراقات آنية أو حسابات ترى في تنويع الشراكات مكسبًا بحد ذاته، لكنها تجاهلت حقيقة ثابتة وهي أن الجغرافيا لا ترحم والتاريخ لا ينسى، والماء أثقل من الحبر مهما بدا الاتفاق أنيقًا على الورق.
قد تكسب الرباط ودّ آبي أحمد لبعض الوقت وقد تفتح لنفسها أبواب صفقات أسلحة أو أسمدة، وربما ما هو أكثر من ذلك، لكن السؤال الأعمق: بأي ثمن؟ وهل تعادل تلك المكاسب المحتملة خسارة الظهير المصري، الذي لم يخذل المغرب يومًا، ولم يساوم على قضاياه المصيرية، ولم يستخدم دعمه كورقة ابتزاز أو مساومة؟
إنها، بكل المقاييس، صفقة خاسرة فالدول لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات التي توقّعها، بل بنوعية التحالفات التي تحافظ عليها، ومن يظن أنه يستطيع التضحية بالنيل ـ رمز الحياة والاستقرار في مصر ـ من أجل سراب الحبشة، قد يستيقظ يومًا ليجد نفسه وحيدًا في صحراء السياسة القاحلة: بلا ماء وبلا أشقاء وبلا سند حين تدق الأبواب الثقيلة للأزمات الحقيقية.








