مقالات

السجن الذي لا نراه.. حين تصبح الحرية حلمًا مؤجلًا بقلم: مريم عماد رمزي

مريم عماد رمزي

حجم الخط:

ماذا لو لم تكن القضبان من حديد، ولم يكن السجّان شخصًا يقف خلف بابٍ مغلق؟ ماذا لو كان السجن خوفًا يسكننا، أو ذكرى نعجز عن تجاوزها، أو حياةً نواصل العيش فيها رغم أنها لم تعد تشبهنا؟ وماذا لو اكتشفنا، بعد سنواتٍ من الركض وراء ما يريده الآخرون، أننا لم نكن أحرارًا كما ظننا، بل كنا نحاول فقط ألّا نُغضب أحدًا؟

قد يبدو السجن مكانًا واضح المعالم، تنتهي حدوده عند جدرانه، وتبدأ الحرية عند أبوابه. لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا؛ فليس كل من يتحرك حرًّا يملك حق الاختيار، وليس كل من حُرم من حريته قد تخلى عن إرادته. وبين سجين ينتظر استعادة حياته، وإنسان يعيش حياته كاملةً دون أن يشعر بأنه يملكها، تتجلى واحدة من أكثر مفارقات الوجود إيلامًا.
في حياتنا اليومية، قد لا نحتاج إلى قضبان تحاصرنا كي نشعر بالاختناق. تكفي أحيانًا نظرة رفض، أو كلمة إحباط، أو خوف متكرر من الفشل، حتى نبدأ في التراجع عن أحلامنا. نتعلم أن نختار ما يرضي الآخرين، وأن نخفي ما يختلف عنهم، وأن نؤجل رغباتنا إلى وقت أكثر ملاءمة. ومع مرور الوقت، يتحول التأجيل إلى عادة، والتنازل إلى أسلوب حياة، حتى نكتشف متأخرين أننا منحنا مخاوفنا سلطةً لم نمنحها لأنفسنا.
ولعل أقسى القيود تلك التي لا ندرك متى بدأت. حين يعتاد الإنسان الصمت حتى ينسى ما كان يريد قوله، أو يبقى في مكان يستنزفه خوفًا من المجهول، أو يتخلى عن حلم طالما آمن به لأنه لم يجد من يؤمن معه. عندها، لا يعود السؤال عن الأبواب المغلقة، بل عن قدرتنا على تخيل الحياة خارجها، وعن المسافة التي تفصلنا عن أنفسنا كلما حاولنا أن نكون النسخة التي يريدها الآخرون.
ومع ذلك، لا يجوز أن نختزل السجون الحقيقية في مشاعر الخوف أو الحزن؛ فحرمان الإنسان من حريته انتهاك لحق أصيل، والظلم لا تمحوه العبارات الأدبية. فالحرية ليست استعارة جميلة نتداولها في الكتابات، بل حق إنساني .
والحرية ليست أن نفعل كل ما نشاء دون مسؤولية، بل أن نمتلك حق الاختيار دون إكراه، وأن نستطيع التعبير عن أنفسنا دون خوف غير مشروع، وأن نحترم حق الآخرين في الحياة والكرامة كما نطالب باحترام حقوقنا. وهي أيضًا ألّا تتحول الظروف الاجتماعية أو الحاجة أو الخوف من المستقبل إلى قيود تدفع الإنسان للتنازل عن أبسط حقوقه.
وربما لا تكمن المشكلة دائمًا في القيود التي تحيط بنا، بل في الطريقة التي نتعلم بها التعايش معها. فقد نعتاد الألم حتى نراه أمرًا طبيعيًّا، ونخشى التغيير حتى يبدو لنا السجن أكثر أمانًا من الحرية. لكن الاعتياد لا يجعل القيد عدلًا، وطول الانتظار لا يعني أن الحياة يجب أن تظل معلقة، والخوف من الطريق لا يعني أن الطريق لا يستحق المحاولة.
ومع ذلك، ليست كل المفاتيح في أيدينا، وليس كل إنسان قادرًا على تغيير ظروفه بمجرد اتخاذ القرار. فلا يكفي أن نطالب المقيّدين بالتحرر، بل علينا أن نسأل: ما الذي يسلبهم القدرة على الاختيار؟ وما الذي يمكن للمجتمع أن يفعله حتى تصبح الحرية حقًّا متاحًا للجميع، لا امتيازًا يملكه البعض ويظل الآخرون يحلمون به؟
إن استعادة الحرية لا تبدأ دائمًا بخطوة كبيرة أو مواجهة صاخبة؛ فقد تبدأ باعتراف صادق بأننا لسنا بخير، أو برفض هادئ لما يستنزف أرواحنا، أو بمحاولة استرداد صوت أسكتناه طويلًا. لكنها، في الوقت نفسه، تحتاج إلى بيئة تحترم الإنسان، وتمنحه فرصة عادلة ليختار طريقه دون أن يُعاقَب على اختلافه أو يُحرَم من حقوقه.
في النهاية، ربما لا نستطيع أن نعيش حياة خالية من القيود والمسؤوليات، لكننا نستطيع أن نعيد النظر فيما نقبله، وفي الأحلام التي نتخلى عنها، وفي المخاوف التي تتحكم في قراراتنا. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يغيّر العالم بأكمله كي يبدأ استعادة صوته، لكنه يحتاج إلى ألّا يقتنع بأن صمته قدر لا يمكن تغييره.
فأقسى ما في السجن ليس دائمًا ضيق الجدران، بل أن يطول البقاء خلفها حتى ينسى الإنسان شكل السماء. وأشد ما في الحرية إيلامًا أن يظل الإنسان يحلم بها، بينما لا يعرف إن كان الباب مغلقًا حقًّا، أم أن الخوف أقنعه طويلًا بأن العبور مستحيل.
فكم من إنسان يعيش خارج القضبان، ولا يزال ينتظر حريته؟
زر الذهاب إلى الأعلى