مقالات

نظرة في الأفق: هل يكتب الذكاء الاصطناعي شهادة نهايته بنفسه؟

بقلم: د. منصور المغربي باحث في علم النفس التربوي والصحة النفسي

حجم الخط:

نهاية الذكاء الاصطناعي قد تبدأ قريبًا… حين يلتهم التكنولوجياُ مصدرَ المعرفة!

كيف يمكن أن يؤدي اعتماد الإنسان المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى انهيار المنظومة المعرفية التي صنعت قوته؟
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وينبهر الملايين بقدراته المتزايدة على الإجابة والتحليل والكتابة وإنتاج المحتوى، تبرز أمامنا مفارقة خطيرة قد تحمل في داخلها بذور أزمة مستقبلية تهدد استمرارية هذا التطور.
فهل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي ضحية نجاحه؟
وهل تكون التكنولوجيا التي اختصرت الطريق إلى المعرفة هي نفسها السبب في تجفيف منابعها؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب النظر إلى ما هو أبعد من القدرات التقنية المذهلة للذكاء الاصطناعي، والتأمل في المنظومة الاقتصادية والمعرفية التي يقوم عليها.
أولًا: من البحث عن المعلومة إلى استهلاك الإجابة لسنوات طويلة، اعتمد الإنترنت على علاقة متبادلة بين الباحث عن المعرفة وصانعها؛ فالمستخدم يبحث عن معلومة، وينتقل إلى موقع إلكتروني، ويقرأ مقالًا أو دراسة أو تقريرًا، وفي المقابل يستفيد مالك الموقع من الزيارات والإعلانات والاشتراكات، بما يتيح له تمويل استمرار إنتاج المحتوى.
لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه المعادلة جذريًا.
فبدلًا من زيارة عشرة مواقع إلكترونية للحصول على معلومة، أصبح المستخدم يطرح سؤالًا واحدًا على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيحصل خلال ثوانٍ على إجابة متكاملة، دون الحاجة غالبًا إلى زيارة المصادر الأصلية التي أسهمت في إنتاج تلك المعرفة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
ثانيًا: انهيار اقتصاد صناعة المحتوى
كل زيارة يفقدها موقع إلكتروني قد تعني تراجعًا في عائداته الإعلانية أو فرص اشتراكاته المدفوعة.
ومع استمرار انخفاض معدلات الزيارة، تتراجع الموارد المالية لأصحاب المواقع والمؤسسات الصحفية والمنصات البحثية والمعرفية، فتبدأ عملية تقليص الإنفاق، ثم تخفيض أجور الكُتّاب والمحررين والباحثين وصُنّاع المحتوى، وصولًا إلى الاستغناء عن بعضهم أو توقف بعض المنصات عن العمل.
وهكذا لا تكون الخسارة مجرد تراجع في أرباح المواقع الإلكترونية، بل تتحول تدريجيًا إلى تراجع في الحافز الاقتصادي لإنتاج المعرفة الإنسانية الجديدة.
والأخطر أن المحتوى الذي كان يُنتَج بصورة مستمرة سيبدأ في الانكماش إذا لم تظهر نماذج تمويل بديلة.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي يبدأ في استنزاف مصادره
هنا نصل إلى المفارقة الكبرى.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع الاعتماد إلى ما لا نهاية على إعادة تدوير المعلومات القديمة، ولا يمكنه تعويض جميع أشكال البحث الميداني والتجارب العلمية والتحقيقات الصحفية والإبداع الإنساني الأصيل.
فهو يستفيد من المعرفة التي ينتجها البشر، ومن البيانات والبحوث والمراجع التي تراكمت عبر سنوات طويلة.
ولكن ماذا يحدث إذا تراجع إنتاج هذه المعرفة؟
ستبدأ فجوة في الظهور بين التطور التقني للنماذج وبين حداثة المعلومات البشرية الأصلية المتاحة لتدريبها وتحديثها.
ومع مرور الوقت، قد تجد بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها أمام محتوى أقل تنوعًا، وأقل تجددًا، وأكثر اعتمادًا على معلومات سبق إنتاجها أو إعادة صياغتها آليًا.
وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من مستفيد من المعرفة الإنسانية إلى مستهلك قد يسهم، دون قصد، في إضعاف مصادر إنتاجها.
رابعًا: عندما يتغذى الذكاء الاصطناعي على إنتاجه
المسألة لا تقف عند حدود تراجع المحتوى البشري، بل تمتد إلى ظاهرة علمية تعرف باسم «انهيار النماذج» (Model Collapse).
فقد حذرت دراسة منشورة في مجلة Nature عام 2024 من أن تدريب أجيال متعاقبة من نماذج الذكاء الاصطناعي بصورة غير منضبطة على بيانات أنتجتها نماذج سابقة قد يؤدي إلى فقدان تدريجي لبعض تنوع المعلومات وخصائصها الأصلية.
وبمعنى أبسط، إذا أصبح الذكاء الاصطناعي يتعلم بصورة متكررة مما كتبه ذكاء اصطناعي آخر، دون الحفاظ على حضور كافٍ للمصادر البشرية الأصلية، فقد تتراكم الأخطاء وتتراجع جودة المعرفة.
وهنا يصبح المشهد أشبه بدائرة مغلقة:
المستخدم يهجر المواقع، فتتراجع أرباحها، فيقل إنتاج المحتوى البشري، فتضعف مصادر المعرفة الجديدة، ويزداد الاعتماد على المحتوى الآلي، فتواجه النماذج خطر التدهور المعرفي.
إنها دائرة قد تتسع تدريجيًا إذا لم يتم التدخل لإعادة التوازن بين التكنولوجيا وصناعة المعرفة.
خامسًا: هل نقترب من العودة إلى نقطة الصفر؟
نعتقد اذا لم يتم انتاج معرفة بواسطة البشر ربما أن الذكاء الاصطناعي سيختفي قريبًا، و أن انهياره أصبح حقيقة علمية؛ رغم انه ما زالت هناك مصادر معرفية متعددة، ونماذج اقتصادية وتقنية جديدة يمكن أن تحول دون حدوث ذلك.
ولكن استمرار الاتجاه الحالي دون معالجة قد يقود إلى أزمة عميقة، تفقد فيها بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي قدرتها على مواكبة المستجدات، وتزداد معها احتمالات التكرار والتقادم والأخطاء.
وقد يصل الأمر، في السيناريو الأكثر تشاؤمًا، إلى تراجع ثقة المستخدمين في مخرجات هذه الأنظمة، وانخفاض الاعتماد عليها، والعودة مجددًا إلى المصادر البشرية والمؤسسات العلمية والبحثية بحثًا عن المعلومة الأصيلة.
والمفارقة هنا أن الإنسان قد يجد نفسه مضطرًا لإعادة بناء ما ساهم بنفسه في إضعافه، عندما استبدل البحث والتحقق بالاستهلاك السريع للإجابات الجاهزة.
سادسًا: الخطر الأكبر على الأجيال القادمة
ومن منظور علم النفس التربوي، فإن هذه الظاهرة لا تهدد اقتصاد المعرفة وحده، بل تمتد آثارها إلى البنية الفكرية للأجيال الجديدة.
فالاعتماد المفرط على الإجابات الفورية، دون تدريب العقل على البحث والمقارنة والتحليل والنقد، قد يضعف مهارات التفكير المستقل، ويحول المتعلم من باحث نشط عن المعرفة إلى متلقٍ سلبي للمعلومة.
وهنا تكمن خطورة مضاعفة؛ لأننا لا نخاطر فقط بتراجع إنتاج المعرفة، بل نخاطر أيضًا بتراجع إعداد الإنسان القادر على إنتاجها مستقبلًا.
فإذا توقف الإنسان عن البحث، وتراجع الباحث عن الإنتاج، واكتفى الذكاء الاصطناعي بإعادة تدوير ما سبق إنتاجه، فمن أين ستأتي المعرفة الجديدة؟
سابعًا: كيف ننقذ المستقبل من هذا المصير؟
إن الحل ليس في محاربة الذكاء الاصطناعي أو رفض التطور التكنولوجي، وإنما في إعادة بناء العلاقة بينه وبين مصادر المعرفة الإنسانية.
ويتحقق ذلك من خلال حماية الحقوق الاقتصادية والفكرية لصُنّاع المحتوى، وتطوير آليات عادلة لتعويض المؤسسات والباحثين عن استخدام إنتاجهم، وتشجيع المستخدمين على الرجوع إلى المصادر الأصلية، إلى جانب دعم البحث العلمي والصحافة المتخصصة والتعليم القائم على التفكير النقدي.
فاستمرار الذكاء الاصطناعي في التطور يحتاج إلى منظومة معرفية بشرية قوية ومستدامة، لا إلى إضعافها.
وأخيرًا… هل يكتب الذكاء الاصطناعي شهادة نهايته بنفسه؟
إن أخطر ما قد يواجه الذكاء الاصطناعي ليس عجز الخوارزميات، ولا محدودية المعالجات الإلكترونية، بل انحسار المعرفة الإنسانية الأصيلة التي تمنحه قيمته.
فالتكنولوجيا التي تستنزف مصادرها دون أن تسهم في استدامتها، قد تدخل يومًا في دائرة من التراجع الذاتي.
وقد نكتشف بعد سنوات أن الأزمة لم تبدأ عندما عجز الذكاء الاصطناعي عن الإجابة، بل بدأت عندما توقف الإنسان عن البحث، وعندما فقد صانع المعرفة القدرة على الاستمرار.
إنها ليست نبوءة حتمية بنهاية الذكاء الاصطناعي، وإنما تحذير من مستقبل قد نصنعه بأيدينا إذا لم ندرك أن المعرفة ليست مجرد إجابة تظهر على الشاشة، بل منظومة إنسانية واقتصادية وعلمية متكاملة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعيد صياغة ما عرفه الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يضمن استمرار المعرفة الإنسانية إذا تراجعت المجتمعات عن إنتاجها.
وإذا جفّت منابع المعرفة، فلن تنقذها سرعة الخوارزميات
زر الذهاب إلى الأعلى