مقالات

عبدالحى عطوان يكتب «متصدقش».. عندما يصبح الوعي خط الدفاع الأول عن الدولة

حجم الخط:
لم تعد معركة الدولة في زمن السوشيال ميديا تُخاض فقط في الشوارع والميادين، وإنما انتقلت إلى شاشة الهاتف، حيث يمكن لمنشور واحد أو معلومة مجهولة المصدر أن تصل إلى ملايين المواطنين خلال دقائق، وتترك أثرًا قد يكون أكبر من عشرات البيانات الرسمية.
ومن هنا تأتي أهمية التعامل الجاد مع قضية منصة «متصدقش»، بعيدًا عن الانفعال أو الأحكام المسبقة، لأن القضية في جوهرها تتجاوز اسم منصة أو مجموعة من العاملين بها، لتطرح سؤالًا أكثر أهمية: من يملك حق صناعة الرواية التي يصدقها المواطن؟ ومن يقف خلف المحتوى الذي يعيد تشكيل وعيه تجاه دولته ومؤسساتها؟
وزارة الداخلية أعلنت، في بيان رسمي، نتائج تحريات قالت إنها كشفت عن ارتباط المنصة بلجنة إعلامية تابعة لجماعة الإخوان وبالتحديد أن مؤسس المنصة عبدالرحمن شكرى الإخوانى الهارب ، وأن إدارتها تتم من خارج البلاد بمشاركة عناصر داخلية، مع اتهامات بالحصول على تمويل من الخارج ونشر مواد مغلوطة بهدف التأثير على حالة الاستقرار.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: الدولة ليست ضد النقد، وليست في حاجة إلى إعلام يصفق لها في كل شيء، لكنها في الوقت نفسه ليست مطالبة بالصمت أمام ما تعتبره أجهزة التحقيق والأمن نشاطًا منظمًا يستهدف أمن المجتمع واستقراره.
فالفرق كبير بين صحفي يختلف مع الحكومة، بوطنيه وينتقد للصالح العام ومحتوى يتعمد ـ بحسب الاتهامات الرسمية ـ صناعة حالة من الشك الدائم في كل مؤسسات الدولة وبياناتها، بين نقد موضوعي يستند إلى وثائق وأدلة ويترك للمواطن حق التقييم.وبين نقد هدام دائما يأخذ الاتجاه المعاكس من أجل صناعة حالة من الشك والريبة والإحباط
والأهم من كل هذا المواطن المصري نفسه أصبح أمام مسؤولية جديدة؛ فلا يكفي أن نرى عنوانًا مثيرًا فنشاركه، ولا أن نقرأ منشورًا يحمل لغة غاضبة فنعتبره حقيقة، ولا أن نصدق رواية لمجرد أنها جاءت من منصة تقدم نفسها باعتبارها متخصصة في التحقق من المعلومات.
الوعي الحقيقي يبدأ من السؤال: أين الدليل؟
الدولة القوية ليست الدولة التي تخشى السؤال، وإنما الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على الرد، وأجهزة قادرة على حماية الأمن القومي، وقانونًا يُحاسب من يثبت تورطه في جريمة، وفي الوقت نفسه يضمن أن تكون الوقائع والأحكام هي الفيصل.
ولذلك فإن قضية «متصدقش» يجب ألا تتحول إلى معركة على مواقع التواصل بين مؤيد ومعارض، وإنما إلى درس أكبر في كيفية التعامل مع الإعلام الرقمي؛ فالمعلومة أصبحت سلاحًا، والشائعة أصبحت أداة ضغط، والمنصة الإلكترونية يمكن أن تتحول في لحظة من وسيلة لنقل الخبر إلى وسيلة لصناعة اتجاه عام.
وفي المقابل، فإن مواجهة الشائعات لا تكون فقط بالبيانات الأمنية، وإنما أيضًا بسرعة الرد الرسمي، وإتاحة المعلومات، وشرح الحقائق للرأي العام بلغة بسيطة ومباشرة، لأن ترك مساحة فارغة من المعلومات يعني أن آخرين سيملأونها برواياتهم.
نحن أمام معركة وعي قبل أن تكون معركة منصات.ومصر التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وإقليمية متشابكة تحتاج إلى مواطن لا يصدق كل ما يقرأ، ولا يرفض كل ما تقوله الدولة، وإنما يبحث ويسأل ويفحص ويقارن.
فالدولة لا يحميها الأمن وحده، ولا الجيش والشرطة وحدهما، ولا المؤسسات الرسمية وحدها؛ يحميها أيضًا وعي مواطنيها.
وفى النهاية .. فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن تخرج من قضية «متصدقش» ليست أن نصدق منصة أو نكذبها، وإنما أن نتعلم جميعًا ألا نصدق أي معلومة بلا دليل، وأن نترك التحقيقات والقانون يقولان كلمتهما، وأن ندرك أن الحفاظ على استقرار الوطن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن والإعلام.
الخلاصة ..في زمن أصبحت فيه الكذبة أسرع من الحقيقة، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول عن الدولة ومؤسساتها وأجهزتها ولا للانصياع وراء الشائعات والصحافة الموجهة الممولة مصر فى أشد الحاجة إلى الشرفاء فالشريف ليس سلعة للبيع والشراء ونشر المغالطات والأكاذيب
زر الذهاب إلى الأعلى