مقالات
عبدالحى عطوان يكتب: مجتمعٌ يعاني الانفصام.. حين يصبح الحكم على الناس رهين الهوى!

حجم الخط:
أصبحنا نعيش في مجتمعٍ لا تعرف أحيانًا كيف تقرأ مواقفه، ولا كيف تفهم أحكامه، مجتمع يرفع الأشخاص إلى عنان السماء في لحظة، ثم لا يتردد في إلقائهم إلى قاع الأرض في اللحظة التالية،
مجتمع يمنح البعض صكوك الشرف والنزاهة وينسب للبعض القبح والفساد وكأننا أصبحنا أمام محكمة شعبية لا تحتاج إلى أدلة، ولا تنتظر تحقيقًا، محكمة تصدر أحكامها وفقًا للمزاج العام، وتغيرها وفقًا لاتجاه الريح!
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبحنا أمام مجتمع يعاني انفصامًا في المواقف والمعايير، أم أننا أمام أزمة أعمق تتعلق بغياب الضمير وضعف الدين والموضوعية، وسيطرة الأهواء الشخصية، وتراجع القدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الصالح العام والمصلحة الخاصة؟
خذ مثلًا قضية المخدرات، وهي واحدة من أخطر القضايا التي تهدد مستقبل الشباب والأسر والمجتمع بأكمله.
تجد أصواتًا ترتفع ليلًا ونهارًا مطالبة بضرب تجار السموم بيد من حديد، ومحاسبة كل من يتاجر في عقول الشباب ومستقبلهم، وتتعالى الأسئلة: أين الأجهزة الأمنية؟ ولماذا لا يتم تطهير الشوارع من تجار المخدرات؟ وكيف نترك أبناءنا فريسة لهذا الخطر؟
لكن ما إن تعلن الأجهزة الأمنية ضبط أحد الأشخاص، أو تكشف عن ملاحقة متهم في قضية مخدرات، أو تصفيته حتى تتغير النبرة لدى بعض الأصوات، فتبدأ عبارات من قبيل: «ده راجل محترم»، و«ده بتاع ربنا»، و«ده راجل طيب»، و«ده عمدة»، و«ده حج بيت الله»!
وهنا قمة الانفصام لدى المجتمع فى ازدواجية المعايير؛ أن نطالب بتطبيق القانون على الجميع، ثم نبحث عن المبررات والاستثناءات عندما يصل إلى شخص نعرفه أو تربطنا به مصلحة أو علاقة.
ولا يقتصر هذا التناقض على القضايا الأمنية، فقط بل يمتد إلى المسؤولين وصناع القرار.
فالوزير تتغير صورته من عبارات الإشادة لقرار ، إلى النعت بالفشل وسوء الإدارة طبقا لقرار آخر فهل تغيرت كفاءة الوزير بين ليلة وضحاها؟ أم أن القرار الأول وافق أهواء البعض، بينما اصطدم القرار الثاني بمصالحهم؟
ليس معنى ذلك أن المسؤول فوق النقد، أو أن كل قرار يصدر عنه صائب، بل إن النقد حق أصيل، ومراجعة القرارات ضرورة، والاعتراض على السياسات قد يكون واجبًا حين تضر بالمواطنين.
وهكذا المحافظ الذي ينزل إلى الشارع، ويتفقد المستشفيات والوحدات الصحية، ويتابع المحليات، ويواجه أوجه القصور، ويطالب المسؤولين بتحمل مسؤولياتهم.
قد يصفق له البعض، ويشيدون بجولاته، ويطالبونه بالمزيد من الحزم، ويعتبرون تحركاته خطوة ضرورية لإعادة الانضباط إلى المؤسسات.
لكن ما إن يقرر إحالة ستة أو سبعة مسؤولين إلى التحقيق بسبب مخالفات أو أوجه قصور رصدتها الجهات المختصة، حتى تتغير بعض الأصوات، وتبدأ عبارات مثل: «ليه التشدد ده؟»، و«ده ظلم»، و«الراجل عنده ظروف»، و«كان ممكن الموضوع يتحل بطريقة تانية»!
وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف نطالب بالحزم، ثم نرفضه عندما يبدأ تطبيقه؟ وكيف نطالب بتطهير المؤسسات من أوجه القصور، ثم نتحول إلى مدافعين عن المقصرين قبل أن نعرف حقيقة ما حدث؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مسؤول هو أن يجد نفسه محاصرًا بين مطالب شعبية تدعوه إلى الحزم، وأصوات لا تقبل الحزم إلا عندما يقع على الآخرين.
ايضا النائب البرلمانى بعيدا عن المنفعة العامة أو الصالح العام تجد أصوات كثيرة تهاجمة لمجرد اصطدامها بتأشيرة تضر مصالحها أو عدم الاستفادة الشخصية أو طلبات خاصة لم يوفق فى قضائها وأصوات أخرى تدافع عنه لمجرد علاقات شخصية أو مصالح تمت الاستفادة منها
والمؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي، كشفت جانبًا آخر من هذه الأزمة.
أصبح بإمكان منشور واحد أن يصنع بطلًا، وآخر من صفحة وهمية أن يهدم سمعته، دون أن نعرف من كتب، ولماذا كتب، وما إذا كان ما نشره حقيقة أم مبالغة أم كذبًا متعمدًا.
فقد تنتشر شائعة عن شخص، فيسارع البعض إلى تصديقها وتداولها لأنها لاقت هوى نفسي بداخله
وفي المقابل، قد تتكشف الحقيقة لاحقًا، ويظهر أن الرواية كانت ناقصة أو مضللة، أو الصفحة وهمية بغرض التشويه أو حرب خفية لتضارب المصالح لكن قليلين فقط يتوقفون للاعتذار أو تصحيح رؤيتهم وهكذا تصبح سمعة الناس ملعبًا للشائعات، وتتحول مواقع التواصل من وسيلة لتبادل المعرفة إلى ساحات لمحاكمات لا تعرف الانتظار وهذا ليس وعيًا ،فالإنسان الواعي يسأل أولًا: هل الرواية صحيحة أم لا ؟ وما الدليل عليها؟
والحقيقة أن الأزمة لا تخص مسؤولًا أو نائبًا أو تاجرًا أو شخصية عامة وحدها، بل تمتد إلى المواطن نفسه، الذي قد يطالب بتطبيق القانون على غيره، ثم يبحث عن استثناء لنفسه أو لأحد أقاربه عندما تتعارض أحكام القانون مع مصالحه.
قد يطالب المواطن بالقضاء على المحسوبية، لكنه يلجأ إليها حين يحتاج إلى خدمة، ويندد بالواسطة، ثم يبحث عن صاحب نفوذ لإنجاز مصلحة شخصية، ويشكو من الفساد، لكنه قد يتسامح معه حين يحقق له منفعة مباشرة.
قد يرفض الإهمال عندما يقع ضحيته، ثم يصمت عنه إذا كان المستفيد منه شخصًا قريبًا منه، وقد يرفع شعار العدالة ما دام الحكم في صالحه، ثم يشكك في نزاهة كل شيء عندما تأتي النتيجة على غير هواه.
وهنا تتجلى المشكلة الحقيقية: أن تصبح المبادئ شعارات نرفعها عند الحاجة، لا قواعد نلتزم بها في كل الظروف.
وربما لأن مصالحنا الشخصية باتت تتقدم أحيانًا على المصلحة العامة، ولأن العلاقات والخصومات والانتماءات أصبحت لدى البعض أقوى من الحقائق.
وربما لأننا نريد مسؤولًا حازمًا بشرط ألا يقترب من دائرتنا، ونريد قانونًا صارمًا بشرط ألا يطال من نحب، ونريد محاربة الفساد بشرط ألا تكشف المحاسبة عن أخطاء من نساندهم.
وهكذا لا يعود السؤال: من المخطئ ومن المصيب؟ بل يصبح: من معنا ومن ضدنا؟
وعندما يتحول المجتمع إلى معسكرات، يصبح الشخص جيدًا لأنه قريب منا، وسيئًا لأنه يختلف معنا، ويصبح القرار صائبًا لأننا استفدنا منه، وخاطئًا لأننا لم نستفد، بصرف النظر عن الحقائق والنتائج.
كلمة أخيرة.. لسنا بحاجة إلى مجتمع يصفق للجميع، ولا إلى مجتمع يهاجم الجميع، وإنما نحن بحاجة إلى مجتمع لديه ضمير
يفرق بين الاتهام والإدانة، وبين النقد والتشهير، وبين الرحمة والتستر على الخطأ.
مجتمعًا لا يجعل الحج أو التدين أو المكانة الاجتماعية بديلًا عن الأدلة، ولا يجعل المنصب أو الشعبية حصانة من المساءلة، ولا يجعل الخصومة مبررًا للظلم والتشهير والتشويه.
والخلاصة …إن أخطر ما يواجه المجتمع أن يصبح الحق عندهم تابعًا للأسماء، والعدالة رهينة العلاقات، والحقيقة أسيرة المصالح.فإذا كنا نريد محاربة تجار المخدرات، فعلينا أن نقف مع تطبيق القانون العادل، لا مع الأشخاص لمجرد مكانتهم.
وإذا كنا نريد مسؤولًا يحاسب المقصرين، فعلينا أن نقبل المحاسبة العادلة، لا أن نطالب بالحزم صباحًا ثم نرفضه مساءً. وإذا كنا نريد وطنًا أفضل، فعلينا أن نبدأ بمراجعة أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير.
والنهاية ..العدالة لا تتجزأ، والحقيقة لا تتغير بتغير الأسماء، والمبادئ التي لا نصونها عندما تتعارض مع مصالحنا ليست مبادئ، وإنما شعارات نستخدمها حين نحتاج إليها








