مقالات

بولس عوض يكتب: بين لعبة فتح مضيق هرمز وإغلاقه: المواطن بين كفي رحى التجار

حجم الخط:

في كل مرة تلوح فيها نذر التصعيد العسكري أو السياسي في منطقة الخليج العربي، يتجه العالم بأسره لمراقبة “شريان الطاقة العالمي”؛ مضيق هرمز. وبين تصريحات التهديد بالإغلاق وبشائر الانفراج، تدور رحى حرب أخرى صامتة، ضحيتها الأولى هو المواطن البسيط الذي يجد نفسه عالقاً بين سندان الأزمات الجيوسياسية ومطرقة جشع التجار.
وتبرز هنا فوبيا “المضيق” والمضاربة الاستباقية؛ فبمجرد أن يتصدر خبر عن “مناورات” أو “تحرشات بحرية” في المضيق واجهات الصحف، تبدأ في الداخل مناورات من نوع آخر. إذ ليس بالضرورة أن تُطلق رصاصة واحدة في مياه الخليج لترتفع أسعار السلع بأنواعها؛ فالتجار يمتلكون رادارات حساسة تلتقط التوتر قبل وقوعه، ليترجموه فوراً إلى رفع جنوني للأسعار تحت ذريعة “توقع انقطاع سلاسل الإمداد”. والمفارقة الصارخة تكمن في أن الأسعار ترتفع في اللحظة التي يُنطق فيها بكلمة “تهديد”، لكنها لا تعود إلى مستواها الطبيعي حتى لو استقر الوضع تماماً وعادت السفن لتبحر بسلام.
وفي ظل هذا المشهد، تطل الرقابة الغائبة كغطاء لشهية الربح، حيث يتساءل كثيرون: أين تذهب الأجهزة الرقابية في هذه المعمعة؟ ويرى مراقبون أن غياب الدور الحازم للدولة في ضبط الأسواق خلال الأزمات يترك الساحة لـ “شريعة الغاب”؛ فبدلاً من أن تكون الرقابة حائط صد يحمي القوة الشرائية للمواطن، تتحول في كثير من الأحيان إلى “مشاهد” يكتفي بإصدار تصريحات هشة، بينما يلتهم التجار مدخرات الناس بحجة “ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين” التي لم تتأثر فعلياً بعد. ويتجلى ذلك بوضوح في ممارسات التخزين الاحتكاري لاستغلال الأزمات، وإخفاء السلع الأساسية لتعطيش السوق، والتسعير العشوائي عبر ربط أسعار سلع منتجة محلياً بتوترات المضيق، وصولاً إلى ضعف الجولات التفتيشية الميدانية التي تسمح للمضاربين بالتحكم في رقاب المستهلكين.
ليظل المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، يعيش حالة من القلق المزدوج؛ قلق من نشوب صراع مسلح قد يغير خارطة المنطقة، وقلق يومي من تأمين لقمة العيش. إن “لعبة المضيق” أصبحت بالنسبة لبعض “حيتان السوق” موسماً للأرباح، حيث يتم استثمار الخوف الشعبي لتحقيق مكاسب مادية سريعة، مستغلين قاعدة “اشترِ الآن قبل أن يُغلق المضيق”، كما حدث في تجربتنا السابقة مع أحداث مضيق باب المندب.
إن استقرار الأمن القومي لا ينفصل عن الأمن الغذائي والمعيشي؛ وإذا كان قرار فتح أو إغلاق مضيق هرمز يخضع لحسابات دولية كبرى، فإن ضبط الأسواق وحماية المواطن من جشع التجار هو قرار سيادي داخلي لا يحتمل التأجيل. لقد آن الأوان للجهات الرقابية أن تخرج من دور المتفرج وتضع حداً لمن يقتاتون على الأزمات، فالمواطن لم يعد يقوى على البقاء طويلاً بين فكي “لعبة المضيق” وطمع “تجار الأزمات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى