
لم يكن خطاب رئيس الوزراء أمام البرلمان مجرد عرض لسياسات أو استعراض لإنجازات بل كان محاولة محكمة لصياغة رواية كاملة دولة تواجه عاصفة عالمية وحكومة تتحرك بكفاءة وشعب مطالب بالصبر رواية تبدو متماسكة على الورق لكنها تتكسر فور احتكاكها بالواقع
الحكومة تتحدث بثقة عن احتياطيات ونسب نمو وتدفقات استثمار لكن المواطن لا يعيش داخل هذه الجداول المواطن يعيش داخل فاتورة كهرباء ترتفع وسعر سلعة يقفز ودخل يتآكل بصمت هنا تسقط كل البلاغة وتبدأ الحقيقة
المشكلة لم تعد في وجود أزمة عالمية فهذا أمر لا جدال فيه بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الأزمة داخليًا الحكومة تتعامل مع الاقتصاد كمعادلة حسابية بينما يتعامل المواطن معه كمعركة بقاء يومية الفارق بين الاثنين هو ما يصنع فجوة الغضب
حين ترتفع تكلفة الطاقة عالميًا تلجأ الحكومة فورًا إلى جيب المواطن وحين تتحسن المؤشرات لا يجد المواطن طريقًا لهذا التحسن معادلة مختلة الخسارة اجتماعية والمكسب نظري وهنا تحديدًا تتآكل الثقة
الخطاب تحدث عن ترشيد الإنفاق لكن أين أثر هذا الترشيد هل شعر به المواطن كما شعر بارتفاع الأسعار أم أن الترشيد يظل حبيس الأوراق بينما الزيادات تُنفذ على الأرض بلا تأجيل العدالة لا تُقاس بما يُقال بل بما يُطبق
أما الحديث عن الدعم وزيادة الأجور فهو لا يخرج عن كونه محاولة لملاحقة التضخم لا مواجهته زيادات تُمنح باليد اليمنى وتُسحب أضعافها باليسرى النتيجة أن المواطن يدور في دائرة مغلقة دعم لا يكفي وأسعار لا ترحم
الأخطر أن الخطاب بدا وكأنه يطلب من المواطن أن يتفهم دون أن يمنحه سببًا كافيًا لهذا التفهم التفهم لا يُفرض بل يُبنى على شعور بالعدالة وعندما يشعر المواطن أنه الطرف الوحيد الذي يدفع فإن أي دعوة للصبر تتحول إلى عبء إضافي
الحكومة تتحدث عن إشادات دولية وتصنيفات ائتمانية مستقرة لكن هذه المؤشرات لا تُشبع بيتًا ولا تُخفف فاتورة ولا تُهدئ قلقًا المواطن لا يقيس نجاح الحكومة بتقارير الخارج بل بقدرته على العيش بكرامة في الداخل
المشهد الآن واضح خطاب قوي أرقام منضبطة وإدارة تبدو واثقة لكن تحت هذا السطح واقع أكثر قسوة وضغط يتزايد وصبر يُختبر كل يوم
المشكلة ليست في نقص الخطط بل في غياب التوازن ليست في قلة الجهد بل في اتجاهه
وإذا استمرت الحكومة في إدارة الأزمة بنفس العقلية تحميل المواطن وتبرير القرار والرهان على الصبر فإنها لا تؤجل الانفجار بل تقترب منه
لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها
الدولة قد تتحمل الأرقام لكن المواطن هو من يتحمل النتائج








