مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: لاجئون يشتكون من “قسوة الضيافة”… ومصر تدفع الفاتورة وحدها!

حجم الخط:

في مشهد أقرب إلى المفارقة الساخرة تتصاعد الشكاوى الدولية بشأن أوضاع اللاجئين في مصر، بينما تتوارى خلف الستار فاتورة ضخمة تتحملها الدولة بصمت و كأنها طرف غير معني بما يحدث على أرضها!!!

لن نتوقف طويلاً عند تفاصيل الخسائر المتراكمة التي تكبدتها مصر خلال السنوات الماضية، من ضغوط غير مسبوقة على سوق العقارات إلى فوضى سوق العمل مرورًا بتضخم السوق السوداء للعملة الأجنبية، وهي مسألة لا تمس الاقتصاد فحسب بل تتقاطع بشكل مباشر مع الأمن القومي أضف إلى ذلك التحديات المتعلقة بالأمن الغذائي، والعبء المتزايد على منظومة الطاقة خاصة في ظل أزمات الكهرباء فضلًا عن أبعاد أمنية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
ورغم هذا المشهد المعقد، خرجت حكومة جنوب السودان عن صمتها متقدمة بشكوى رسمية إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعترض فيها على أوضاع مواطنيها داخل مصر.
وفي تصريح لافت أشار نائب وزير الخارجية في جنوب السودان “أكوي بونا” إلى أن اللاجئين من بلاده يواجهون ظروفًا معيشية صعبة مضيفًا أن بعضهم يتعرض لضغوط تدفعه للعودة إلى وطنه، وهو ما وصفه بأنه “سلوك غير إنساني”.
المثير في الأمر أن المفوضية سارعت إلى إعلان فتح تحقيق عاجل بهدف التأكد من مدى التزام مصر بحماية حقوق اللاجئين وضمان سلامتهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من يحقق في أوضاع الدولة المستضيفة نفسها؟
ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الحقوق والحماية تغيب الإشارة إلى الضغوط الهائلة التي تتحملها مصر نتيجة استضافة أعداد ضخمة من اللاجئين، دون دعم دولي يتناسب مع حجم التحدي وكأن المطلوب أن تستمر الدولة في أداء دور “المضيف المثالي” مهما بلغت التكاليف دون أن يُسمح لها حتى بطرح تساؤلاتها.
والمفارقة الأكثر وضوحًا أن كثيرًا من هؤلاء اللاجئين يرفضون العودة إلى بلادهم رغم الشكاوى المعلنة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل المشكلة في ظروف الإقامة أم في المقارنة بين واقعين لا يحتاجان إلى كثير من الشرح؟
يبدو أن المشهد أعقد من مجرد شكوى رسمية أو تحقيق دولي بل هو اختبار حقيقي لمعادلة شديدة الحساسية: حقوق اللاجئ من جهة، وحقوق الدولة المستضيفة من جهة أخرى… وبينهما، تظل الحقيقة تبحث عمّن ينصفها.
التعامل مع ملف اللاجئين بمنطق “الدولة الصارمة” لا يعني ببساطة نزع العاطفة بل إعادة ترتيب الأولويات وفق القانون والمصلحة العامة، دول مثل تركيا حاولت تحويل هذا الملف إلى ورقة تفاوضية واقتصادية فحصلت على دعم وتمويل مقابل ضبط الحدود واستضافة اللاجئين، لكن هذا النموذج ليس سهل النسخ؛ لأنه يرتبط بظروف جغرافية وسياسية خاصة، أما الحديث عن “ترحيل اللاجئين” فليس قرارًا سياديًا مطلقًا يمكن اتخاذه بضغطة زر إذ تحكمه التزامات دولية أبرزها مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي تراقبه جهات مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يعني أن الترحيل الجماعي قد يعرّض الدولة لانتقادات حادة وعقوبات أو ضغوط سياسية، فضلًا عن تداعيات إنسانية وأمنية محتملة.
الخيار الأكثر واقعية ليس القسوة المطلقة ولا الانفتاح غير المحسوب بل إدارة الملف ببراغماتية: تنظيم الإقامة، ربط المساعدات الدولية بالاستضافة و تشديد الرقابة على المخالفات بحيث تتحول الأزمة من عبء مفتوح إلى ملف مُدار يخدم الدولة دون أن يضعها في مواجهة مع القانون الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى