بولس عوض يكتب: بين كفاءة الضبط وهيبة الردع.. كيف نحمي أمننا المجتمعي؟

يواجه المجتمع المصري في الآونة الأخيرة ظاهرةً تستوجب التأمل والتحليل العميق؛ وهي تكرار الجرائم واتسامها بقدرٍ غير مسبوق من القسوة، رغم الكفاءة المشهودة والسرعة الفائقة لرجال الشرطة في إلقاء القبض على الجناة. هذا التناقض يضعنا أمام تساؤل جوهري: لماذا لا يرتدع المجرم رغم يقينه بأن يد العدالة ستطوله في غضون ساعات؟
في ظل سطوة “التريند” وتبلد المشاعر
لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي من سيكولوجية المجتمع؛ فبعد أن كانت أخبار الحوادث مقتصرةً على صفحات متخصصة في جرائد ورقية أو نطاق جغرافي ضيق، أصبحنا اليوم أمام “بث مباشر” للجريمة. الخطورة هنا لا تكمن فقط في بشاعة الحدث، بل في “اعتياد المشهد”؛ إن تكرار التعرض للعنف يسلب القلوب فطرة الرحمة ويخلق حالة من التبلد الإنساني، وهو ما ينذر بتآكل السلم المجتمعي، وتهدم بنيانه، وتشويه الصورة الذهنية للدولة أمام المستثمر والسائح على حد سواء.
إن ما تبذله وزارة الداخلية من جهود وتفانٍ في استعادة الأمن هو محل تقدير واعتزاز، ولكن “الأمن” بمنظوره الشامل ليس مسؤولية جهة واحدة؛ فالقبض على الجاني هو “نصف العدالة”، أما نصفها الآخر فيكمن في العدالة الناجزة. إن طول أمد التقاضي قد يُفقد العقوبة معناها الرادع؛ لذا بات من الضروري تسريع الإجراءات القانونية والمحاكمات العادلة التي لا تخل بحقوق الدفاع، مع ضرورة إطلاع الرأي العام على تنفيذ الأحكام؛ ليكون ذلك زاجراً لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المواطنين.
التعليم السليم.. حائط الصد الأول
على المشرّع والدولة الالتفات بقوة نحو “بناء الإنسان”، وتحديداً في ملفي التعليم والصحة. وهنا يجب التأكيد على أن “التعليم السليم” هو الغاية؛ فالتعليم الذي يفتقر إلى القيم والتربية قد يكون أخطر من الجهل، لأنه يُخرج عقولاً قادرة على توظيف ذكائها في الشر. إن تجفيف منابع الجريمة يبدأ من المدرسة، ومن دحض خطاب الكراهية، ومعالجة الأسباب الدافعة للجريمة قبل وقوعها.
أما إذا اجتمع الفقر مع تردي القيم وشح الأخلاق، فقد ينتج عن ذلك “جريمة” بشكل مباشر؛ لذا يجب على الدولة العمل المستمر على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين كجزء أصيل من منظومة الوقاية.
وأخيراً..
إننا بحاجة إلى ثورة تشريعية وفكرية تسد الثغرات القانونية، وتمنع إفلات المجرمين من العقاب بذريعة “روح القانون” التي تُستغل أحياناً في غير محلها. إن معالجة “الأعراض” بالقبض على المجرم أمر ضروري، لكن استئصال “المرض” يتطلب معالجة الجذور الاجتماعية والنفسية؛ ليبقى الوطن واحة للأمان والاستقرار.








