مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: سياسة على طريقة “الحدوتة الضاحكة”… طائرات تُؤمَّن هنا ودعمٍ يُرسل هناك !!

حجم الخط:

في عالم السياسة ليست كل المفارقات مدعاة للدهشة فبعضها فقط يُروى بطريقة تجعلك تبتسم، قبل أن تُدرك أن خلف الابتسامة حسابات معقدة تُدار بعناية.

دعونا نُبسّط الصورة كما لو كانت حكاية تُروى على مقهى: قررت إيران أن تُؤمِّن بعض قدراتها الجوية داخل باكستان وكأنها تضع “أمانة” في مكانٍ تراه آمنًا من تقلبات المشهد، خطوة تبدو احترازية وربما مفهومة في سياق إقليمي مضطرب.
وهنا تبدأ “الابتسامة الساخرة” ففي الوقت ذاته نجد أن المملكة العربية السعودية تتجه إلى باكستان نفسها طلبًا للدعم بل وتستقبل منها تجهيزات عسكرية في إطار تعزيز قدراتها.
للوهلة الأولى، يبدو المشهد وكأنه طرف يضع ثقته في شخص ليكتشف أن هذا الشخص ذاته يتعامل مع خصمه! صورة أقرب إلى النكتة السياسية أو مشهد من مسرحية عبثية حيث تتداخل الأدوار وتختلط الأوراق.
غير أن السياسة بطبيعتها، لا تعترف بهذه السطحية، فعند نزع غطاء السخرية يظهر جوهر مختلف تمامًا: باكستان لا تلعب دور “الطرف المتناقض” بل تمارس واحدة من أقدم قواعد السياسة الدولية وهي: “إدارة التوازن”.
فهي، من ناحية ترتبط بإيران بعوامل الجغرافيا والتاريخ و التداخل الحدودي الذي لا يمكن تجاهله، ومن ناحية أخرى تجمعها بالمملكة العربية السعودية مصالح استراتيجية واقتصادية عميقة تجعل التعاون بينهما خيارًا لا غنى عنه.
هكذا، تمسك إسلام آباد “العصا من المنتصف” لا بدافع الازدواجية بل كنهج محسوب للبقاء في مساحة آمنة وسط عاصفة إقليمية.
المشهد ليس مضحكًا لأنه غريب بل لأنه يُختزل أحيانًا في روايات مبسطة لا تُنصف تعقيده، فالسياسة ليست حكاية تُروى بنهاية واضحة بل شبكة متداخلة من المصالح، حيث قد يكون “الخصم” شريكًا في ملف و ”الحليف” منافسًا في آخر، أما الحقيقة الأهم فهي أن المنطقة لا تحتمل فراغًا في موازين القوة.
لكنهم كعادتهم نسوا او تناسو مصر، ليس بوصفها طرفًا عابرًا بل كركيزة توازن وعمود استقرار، ففي زمن تتبدل فيه التحالفات و تُعاد صياغة المصالح تبقى القاهرة حاضرة بثقلها قادرة على أن تكون السند حين تتراجع الحسابات و الملاذ حين تضيق الخيارات.
لذلك، فإن من يظن أنه قادر على الاستغناء عن مصر إنما يُغامر بخسارة الحاضر… ويُقامر بالمستقبل.
قومٌ تردَّوا في الجهالةِ غارقينَ بها
حتى غدتْ من قبحِ فعلِهمُ تبتسمُ الأُممُ ..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى