عبدالحى عطوان يكتب : المفرمة بين زيادة الوقود وجشع الأسواق وعدم الرقابة بالصعيد

البداية لابد أن نؤكد أنها زيادة كبيرة لا تتناسب مع المنطق ولا الظروف الاقتصادية للناس وفي كل مرة تُعلن فيها زيادة أسعار المواد البترولية، يتجه التفكير مباشرة إلى تأثيرها الطبيعي على زيادة كل الأصناف خاصة زيادة تكاليف النقل والإنتاج. لكن المشكلة الحقيقية في مصر – وبالأخص في محافظات الصعيد – لا تقف عند حدود هذه الزيادة، بل تبدأ بعدها مباشرة، عندما تتحول الأسواق إلى ساحة مفتوحة لرفع الأسعار بلا ضوابط، فيدخل المواطن فعليًا إلى ما يمكن وصفه بـ “مفرمة الأسعار”.
الزيادة في أسعار الوقود، وفقًا للمنطق الاقتصادي، تؤدي إلى ارتفاع نسبي في تكلفة نقل السلع والخدمات، وهو أمر مفهوم ومقبول إذا تم في إطار منضبط. غير أن ما يحدث على أرض الواقع يختلف كثيرًا؛ إذ تتحول هذه الزيادة المحدودة إلى مضاعفات غير مبررة في أسعار السلع، في ظل غياب الرقابة الصارمة على الأسواق، واستغلال بعض التجار للموقف لتحقيق أرباح أكبر على حساب المواطن البسيط.
وتصبح الأزمة أكثر تعقيدًا في محافظات الصعيد، التي تعتمد في جانب كبير من احتياجاتها على السلع القادمة من القاهرة والمحافظات الكبرى. حيث ارتفاع النقل وارتفاع مضاعف يضاف إلى سلسلة من الأعباء الاقتصادية التي يعانيها المواطن بالفعل.
والكارثة الأكبر إذا أضفنا إلى ذلك انخفاض متوسط الدخول في الصعيد مقارنة ببعض المحافظات الأخرى، تتضح أبعاد المعادلة الصعبة؛ فالمواطن هنا يواجه زيادة في الأسعار لا تتناسب إطلاقًا مع قدرته الشرائية. ومع كل موجة ارتفاع جديدة، تتسع الفجوة بين الدخل ومتطلبات الحياة اليومية، فيجد المواطن نفسه محاصرًا بين الضرورات الأساسية وتكاليفها المتصاعدة.
إن القضية ليست مجرد قرار اقتصادي بزيادة أسعار الوقود، فالدول كلها قد تضطر إلى اتخاذ مثل هذه القرارات في إطار إصلاحات اقتصادية. لكن الخلل الحقيقي يكمن في غياب الرقابة الفعالة التي تمنع استغلال هذه القرارات لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، وهو ما يحول أي زيادة محدودة إلى عبء مضاعف على المواطنين.
من هنا، فإن حماية المواطن لا تتحقق فقط بإدارة السياسات الاقتصادية، بل أيضًا عبر تشديد الرقابة على الأسواق، وضبط منظومة النقل والتوزيع، ومواجهة جشع بعض التجار بكل حزم. فالمعادلة العادلة يجب أن تضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد من جهة، وحق المواطن في حياة كريمة وأسعار عادلة من جهة أخرى.
وإلى أن يتحقق هذا التوازن، سيظل المواطن – خاصة في الصعيد – هو الطرف الأضعف في هذه المعادلة… يدفع الثمن الأكبر في كل مرة ترتفع فيها الأسعار.








