عصران الرواى يكتب : الإعلام الحقيقي في زمن السوشيال ميديا

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار عند كثير من الناس لم يعد غريبًا أن يظهر كل يوم من يقدّم نفسه باعتباره إعلاميًا أو صانع محتوى إخباريًا. بضغطة زر يمكن لأي شخص أن ينشر خبرًا أو فيديو أو تعليقًا ليصل إلى آلاف وربما ملايين المتابعين خلال دقائق.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح
هل كل من ينشر خبرًا على السوشيال ميديا يُعد إعلاميًا بالفعل؟
الحقيقة أن الإعلام ليس مجرد نشر للمعلومات ولا سباقًا على عدد المشاهدات. الإعلام رسالة ومسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة أو وسيلة للشهرة. الإعلامي الحقيقي لا يبحث عن الإثارة الرخيصة ولا يتعجل نشر الأخبار قبل التحقق منها بل يعمل وفق قواعد واضحة أهمها الدقة والموضوعية واحترام الحقيقة.
في المقابل ظهرت على مواقع التواصل ظاهرة خطيرة تتمثل في انتشار ما يمكن تسميتهم بالإعلاميين الوهميين. هؤلاء لا يملكون أدوات المهنة ولا خبرتها لكنهم يمتلكون هاتفًا وبعض المتابعين فيعتقدون أن ذلك يمنحهم الحق في نشر الأخبار وتحليل الأحداث وإطلاق الاتهامات.
النتيجة أن كثيرًا من الأخبار المتداولة اليوم تتحول إلى شائعات تنتشر بسرعة البرق قبل أن يتم التأكد من صحتها. خبر غير موثق قد يدمر سمعة إنسان أو يثير البلبلة في المجتمع أو يشوه صورة مؤسسات وأشخاص دون أي دليل.
والأخطر من ذلك أن بعض الصفحات والحسابات أصبحت تتعمد نشر الإثارة والجدل لأن الخوارزميات تكافئ المحتوى المثير للانتباه حتى لو كان بعيدًا عن الحقيقة. وهكذا تتحول المعلومة إلى أداة لجذب التفاعل بدلًا من أن تكون وسيلة لنقل الحقيقة.
الإعلام الحقيقي لا يقوم على الضجيج ولا على تضليل الناس. الإعلام الحقيقي يبدأ من احترام عقل المتلقي والحرص على تقديم خبر صحيح موثق. فالكلمة التي تُنشر أمام الناس ليست مجرد رأي عابر بل مسؤولية قد يكون لها تأثير كبير في حياة الآخرين.
ولهذا فإن الفرق بين الإعلامي الحقيقي وصانع الضجيج واضح. الإعلامي يبحث عن الحقيقة قبل النشر ويتحمل مسؤولية ما يقول. أما صانع الضجيج فيبحث عن التفاعل حتى لو كان الثمن تشويه الحقيقة.
في عصر السوشيال ميديا أصبحت المصداقية هي العملة الأغلى. الشهرة قد تتحقق بسرعة لكن فقدان الثقة يحدث أسرع. والمتابع الواعي أصبح قادرًا على التمييز بين من يحترم الحقيقة ومن يستغلها لتحقيق انتشار مؤقت.
ولهذا يجب أن يدرك كل من يحمل هاتفًا وينشر كلمة أمام الناس أن الكلمة أمانة وأن الخبر مسؤولية وأن الإعلام ليس لعبة ولا وسيلة سهلة للشهرة.
فالمصداقية وحدها هي التي تبقى
أما الضجيج فيختفي سريعًا كما جاء.








