تقارير وتحقيقات
صناع المحتوى ليسوا عواطلية.. زمن احتكار الإعلام انتهى والتأثير أصبح لمن يكسب ثقة الجمهور

حجم الخط:
لماذا يهاجم البعض صناع المحتوى لمجرد أنهم اختاروا طريقًا مختلفًا ونجحوا في الوصول إلى الجمهور خارج أسوار المؤسسات الإعلامية؟ ولماذا يطلق بعض الزملاء في الوسط الصحفي والإعلامي وصف «العواطلية» على أشخاص استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم مكانة وتأثيرًا في مشهد إعلامي تغيرت قواعده بالكامل؟
الحقيقة أن هذا الوصف مرفوض ولا يعبر عن اختلاف مهني بقدر ما يكشف عن أزمة في فهم طبيعة الإعلام الجديد. فلم يعد التأثير حكرًا على صحيفة أو قناة تلفزيونية ولم يعد الجمهور ينتظر نشرة الأخبار حتى يعرف ما يدور حوله. لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي قوة حقيقية في نقل المعلومة وتشكيل الوعي وطرح القضايا ومخاطبة الرأي العام.
صانع المحتوى الجاد ليس شخصًا بلا مهنة كما يتصور البعض. هناك من استثمر أمواله وجهده في بناء منصة إعلامية متكاملة وأنشأ فرق عمل واشترى المعدات وطور أدواته وامتلك القدرة على الوصول إلى ملايين المتابعين. وهناك صحفيون وإعلاميون ومذيعون ومتخصصون وجدوا في الإعلام الرقمي فرصة لإثبات قدراتهم وصناعة مساحة لم توفرها لهم بعض المؤسسات التقليدية.
ومن هنا تأتي أهمية لقاء الكاتب الصحفي الدكتور ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام مع نخبة من صناع المحتوى والمؤثرين. فاللقاء يعكس إدراكًا لأهمية هذه القوة الإعلامية الجديدة وضرورة الاستماع إليها والتعامل معها باعتبارها جزءًا من المشهد الإعلامي المصري.
والأهم أن يتحول هذا الحوار إلى خطوات عملية تتيح لصناع المحتوى الوصول إلى المعلومات من مصادرها وتفتح قنوات تواصل حقيقية مع مؤسسات الدولة دون وصاية على آرائهم أو تدخل في استقلاليتهم.
ولعل الحقيقة التي يجب أن يواجهها الوسط الصحفي والإعلامي أن صانع المحتوى لم يسرق مكان الصحفي بل إن بعض المؤسسات هي التي تأخرت عن مواكبة التحول الرقمي ولم تستثمر بالشكل الكافي في كوادرها ومواهبها. فبدلًا من محاربة من نجح خارج المؤسسة علينا أن نسأل لماذا لم نوفر له داخلها فرصة النجاح والتطور؟
وليس من المنطقي أن تتحول المنافسة المهنية إلى حرب بين الصحفي وصانع المحتوى. فالصحافة مهنة راسخة وصناعة المحتوى واقع جديد ويمكن لكليهما أن يتكاملا في خدمة الحقيقة والمجتمع. لكن ذلك يتطلب الخروج من عقلية احتكار التأثير والاعتراف بأن الجمهور أصبح يمتلك حق الاختيار والمفاضلة.
وفي الوقت نفسه فإن الدفاع عن صناع المحتوى لا يعني تبرير الفوضى أو اعتبار كل من يمتلك هاتفًا إعلاميًا محترفًا. فالمهنية والمصداقية والتدقيق واحترام القانون معايير لا يمكن التنازل عنها. ومن الضروري وضع إطار تنظيمي يحمي حقوق العاملين في هذا المجال ويحدد مسؤولياتهم ويصون استقلاليتهم ويواجه التضليل والإساءة.
إن مصر بحاجة إلى إعلام قوي ومتنوع يمتلك القدرة على الوصول إلى الناس ومخاطبة عقولهم وتقديم المعلومات الصحيحة ومواجهة الشائعات. وهذا لن يتحقق بإقصاء التجارب الجديدة أو التقليل من أصحابها بل بفتح المجال أمام الكفاءات والاستفادة من كل طاقة قادرة على تقديم إضافة حقيقية.
أما الذين اختاروا وصف صناع المحتوى بالعواطلية فعليهم أن يدركوا أن المهنة لا تقاس بمكان الجلوس ولا باسم المؤسسة التي يعمل بها الشخص وإنما بما يقدمه من عمل وما يمتلكه من معرفة ومصداقية وتأثير.
الإعلام لم يعد ملكًا لأحد والجمهور لم يعد أسير شاشة أو صحيفة. ومن أراد المنافسة فعليه أن يطور أدواته ويحترم عقل الناس بدلًا من التقليل ممن سبقوه إلى المستقبل.
صناع المحتوى الجادون ليسوا عواطلية بل جزء من واقع إعلامي جديد يستحق الاعتراف والتنظيم والتطوير. والاختلاف في وسيلة العمل لا يمنح أحدًا الحق في إهانة الآخر








