
لم تعد حرب إيران مجرد ملف أمني أو إقليمي عابر. فما بدأ بادعاء «إعادة النظام» إلى المنطقة، سرعان ما تحوّل إلى أزمة سياسية كاملة للبيت الأبيض. ما كان يُفترض أن يكون عرضاً للقوة، صار مرآة مكسورة للضعف الاستراتيجي الأمريكي. ومؤشرات الرأي العام، والبيانات الاقتصادية، والانقسامات داخل الحزب الجمهوري، كلها تشير إلى حقيقة واحدة: هذه الحرب تحوّلت إلى عبء سياسي ثقيل على ترامب وحزبه. وفي ما يلي قراءة تحليلية في الفرص والتهديدات ومستقبل الانتخابات المقبلة.
أولاً: انهيار المصداقية ونهاية رواية «أمريكا المنقذ»
رأت مجلة «ميدل إيست آي» أن حرب إيران قضت على مفهوم «أمريكا المنقذ». فالفرضية التي قامت عليها السياسة الخارجية الأمريكية لعقود — أن واشنطن ستأتي في النهاية لنجدة حلفائها وضمان أمنهم — لم تعد لا موثوقة ولا فعّالة. وهذا الانهيار في المصداقية يتجاوز المنطقة. فحين تعترض الصين على العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران وروسيا وتصفها بأنها «تفتقر إلى الأساس القانوني الدولي»، فالمعنى واضح: عصر فرض الأحادية الأمريكية قد انتهى. لم يعد بمقدور واشنطن أن تشعل حرباً، وتفرض عقوبات، وتتوقع في الوقت نفسه أن يتبعها العالم.
ثانياً: الرأي العام… ثقة منهارة
تقدم استطلاعات الرأي المتعددة — من CNN إلى YouGov — صورة قريبة من الواقع:
· 58% من الأمريكيين لا يرون ترامب صادقاً أو موثوقاً.
· 60% لا يؤيدون أداءه في إدارة الحرب مع إيران.
· 66% غير راضين عن أدائه في كبح التضخم.
· 52% إلى 55% يحمّلونه المسؤولية الرئيسية عن ارتفاع التضخم.
· 62% يعتقدون أنه ليس قائداً عالمياً فعّالاً.
· 60% ضد الحرب، مقابل 30% فقط معها.
· 61% يطالبون بـ«إنهاء سريع للحرب»، مقابل 24% يريدون «الاستمرار حتى تحقيق الأهداف».
النقطة الأساسية: ترامب لا يزال يحظى بشعبية داخل قاعدة «ماغا» (فوق 90%)، لكنه يتراجع بوتيرة مقلقة بين المستقلين والناخبين المعتدلين. هذه الفجوة القاتلة — قاعدة وفية لكنها صغيرة، مقابل أغلبية معرضة عنه — هي بالضبط النمط الذي يؤدي إلى هزائم ثقيلة في الانتخابات النصفية.
ثالثاً: اقتصاد الحرب… وجع أشد من الميدان
أعادت الحرب تكاليفها إلى الداخل الأمريكي. فقد ارتفع سعر وقود الطائرات في السوق العالمية بشكل غير مسبوق، وانتقل هذا الارتفاع مباشرة إلى جيب المستهلك الأمريكي:
· تضخمت أسعار تذاكر الطيران في أمريكا بشكل حاد.
· تراجع عدد الرحلات.
· أفلست بعض شركات الطيران منخفض التكلفة، مثل «سبيريت إيرلاينز».
· ارتفعت تكاليف الشحن الجوي، ما فاقم التضخم.
وكان ترامب قد وعد بكبح التضخم. لكن 66% من الأمريكيين غير راضين الآن عن أدائه في هذا الملف، وأكثر من النصف يحمّلونه مسؤولية الغلاء المباشر. وهذا هزيمة انتخابية كاملة في ملف كان الجمهوريون يكسبون فيه تقليدياً.
رابعاً: الفرص… نافذة استراتيجية لإيران والمقاومة وقوى المنطقة
أ) نافذة استراتيجية: الرأي العام الأمريكي معادٍ للحرب بشدة. 61% يطالبون بإنهاء سريع للصراع. وهذا يعني أن أي إشارة من إيران — أي بادرة استعداد للتفاوض لإنهاء الحرب — ستُقرأ داخل أمريكا على أنها «انتصار العقل»، وستزيد الضغط على ترامب لـ«إنهاء هذه القصة».
ب) الساعة السياسية تعمل لصالح إيران: كل أسبوع يستمر فيه الحرب، يزداد وضع ترامب الانتخابي سوءاً. والاستراتيجية العقلانية لإيران هي الصبر الاستراتيجي. فالزمن حليف طبيعي لإيران في هذه المعادلة. لا تستطيع أمريكا أن تواصل الحرب إلى الأبد بينما اقتصادها تحت الضغط ورأيها العام معارض.
ج) شقوق داخلية في معسكر الهيمنة: تتحدث وسائل الإعلام الأمريكية عن ذعر خاص في الدائرة المقربة من ترامب. ويضغط مستشاروه عليه لإنهاء الحرب قبل نوفمبر، أملاً في خفض أسعار الطاقة. هذا القلق الانتخابي يضعف الموقف الأمريكي في أي مفاوضات.
خامساً: التهديدات… ما يجب مراقبته
أ) خطر «مفاجأة أكتوبر»: ترامب في وضع مشابه لعام 2020: تأييد منخفض، قلق حزبي، وحاجة إلى تغيير الموضوع. ولا يمكن استبعاد احتمال مغامرة عسكرية جديدة لتحويل الرأي العام. فالتاريخ الأمريكي مليء بنماذج رؤساء لجأوا إلى أزمة خارجية في خضم أزمة داخلية.
ب) انغلاق الآلة العسكرية: حتى لو أراد ترامب شخصياً إنهاء الحرب، فإن المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية بمجرد دخولها حالة الحرب يصعب إيقافها. كما أن العامل الصهيوني متغير مستقل — قد يقدم نتنياهو على خطوة مستقلة خلال دورة الانتخابات الأمريكية، ويجرّ واشنطن أعمق في الصراع.
ج) الألم الاقتصادي المتأخر: عودة سلسلة إمداد وقود الطائرات إلى طبيعتها تستغرق أسابيع إلى أشهر. وقد أقرّ الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» بأنه حتى مع إعادة فتح مضيق هرمز، فإن تحريك مئات السفن وتنظيف المسارات يستغرق وقتاً طويلاً. أي أن الألم الاقتصادي يوم الانتخابات شبه مؤكد — وسيضر بترامب.
سادساً: توقعات الانتخابات الأمريكية
سيتكبد الجمهوريون خسائر كبيرة في الانتخابات النصفية في نوفمبر. والأسباب:
1. الديمقراطيون متقدمون بـ7% في التصويت الشعبي، وبين الناخبين «الشديدي الحماس» تصل الفجوة إلى 23% (60 مقابل 37).
2. القاعدة التاريخية: عندما ينخفض صافي شعبية الرئيس إلى ما دون سالب 20، يخسر حزب السلطة في المتوسط 30 إلى 40 مقعداً في مجلس النواب.
3. الفجوة داخل الحزب: تراجع دعم الجمهوريين غير «ماغا» لترامب من +91 إلى +63، وانخفض دعم الجمهوريين التقليديين للحرب بمقدار 48 نقطة.
لكن هناك متغيرات: ترامب لا يزال يملك قوة «صانع الملوك» في الانتخابات التمهيدية لحزبه، وقد فاز مرشحوه المدعومون في ولايات مثل كنتاكي وبنسلفانيا. أي أنه حتى لو هُزم الجمهوريون على
المستوى الوطني، فإن سيطرته على آلة الحزب لن تختفي فوراً.








