
حجم الخط:
لم يكن يظن، وهو يعبر بوابة المستشفى في صباحه الأول طبيبًا حديث التخرج، أن السنوات التي قضاها بين الكتب وقاعات التشريح وليالي الامتحانات لم تكن سوى مقدمة لدرس آخر، لا يُدرَّس في كليات الطب، ولا تُكتب له وصفة، ولا يعرف الأطباء كيف يضعون له تشخيصًا.
كان اسمه آدم.
شابًا في أواخر العشرينيات، هادئ القسمات، قليل الكلام، يحمل في عينيه ذلك البريق الذي يسكن عيون الذين لم تفسد الحياة أحلامهم بعد. جاء إلى المستشفى وفي رأسه طريق واضح: سنوات قليلة من العمل، ثم الدراسات العليا، ثم السفر إلى واحدة من الجامعات الكبرى في أوروبا، والعودة يومًا بشهادة تفتح أمامه أبوابًا ظل يحلم بها طويلًا.
كان يعرف ماذا يريد.
أو هكذا كان يعتقد.
حتى جاءت ليلى.
كانت طبيبة في القسم نفسه، تكبره في الخبرة بأشهر قليلة لا تكاد تُذكر، لكنها بدت له منذ اللقاء الأول أكثر نضجًا وطمأنينة.
لم يكن جمالها صارخًا من ذلك النوع الذي يلفت الأنظار دفعة واحدة، بل كان جمالًا يتسلل إلى الروح على مهل؛ كلما أطال النظر إليها اكتشف فيها شيئًا جديدًا.
وجه بيضاوي هادئ، وبشرة قمحية صافية، وعينان واسعتان بلون العسل حين تضربهما الشمس، وشعر أسود كانت تجمعه أثناء العمل بعناية، فلا يظهر منه إلا ما يزيد ملامحها وقارًا. وكانت إذا ابتسمت انفرج وجهها عن طفولة خفية، كأن سنوات الطب والسهر والموت الذي يمر يوميًا أمام الأطباء لم تستطع أن تنتزع منها ذلك الجزء النقي.
في البداية لم يكن بينهما إلا ما يكون بين الزملاء:
صباح الخير.
ملف المريض.
نتيجة التحاليل.
مناوبة الغد.
ثم شاء جدول العمل أن يجمعهما في مناوبات ليلية متكررة.
وكان الليل في المستشفى عالمًا آخر.
تهدأ الممرات بعد منتصف الليل، وتخفت الأصوات، وتتراجع حركة الزائرين، وتبقى رائحة المطهرات معلقة في الهواء، بينما تمتد أضواء النيون البيضاء فوق الممرات الطويلة كأنها لا تنتهي.
هناك، بين نداء ممرضة وصفير جهاز مراقبة ودقات أحذية الأطباء فوق الأرض اللامعة، بدأت المسافة بينهما تضيق.
كانا يجلسان أحيانًا في غرفة الأطباء بعد استقرار الحالات، أمام كوبين من القهوة بردا لأنهما نسياهما طويلًا.
تحدثا أولًا عن الطب.
ثم عن الأساتذة.
ثم عن الكتب.
ثم عن المدن التي يتمنيان زيارتها.
ثم، دون أن ينتبها، أصبح الحديث عنهما.
حكت له عن طفولتها، وعن أبيها الصارم الذي تخشاه وتحبه، وعن أمها التي كانت تنتظر عودتها من المناوبات حتى الفجر، وعن حلمها بأن تؤسس يومًا عيادة صغيرة لا ترد فقيرًا لعجزه عن دفع ثمن الكشف.
وحكى لها عن أبيه، وعن البيت الكبير الذي تربى فيه، وعن اسم العائلة الذي كان يسمعه منذ طفولته أكثر مما يسمع اسمه الشخصي، وعن حلم السفر الذي صاحبه منذ سنوات الجامعة.
قالت له ذات ليلة:
— يبدو أنك رتبت حياتك كلها قبل أن تعيشها.
ابتسم.
— أخشى أن أتركها للصدفة.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
— وأحيانًا تكون أجمل الأشياء هي التي لم نرتب لها.
لم يعرف لماذا ظلت عبارتها معه حتى الصباح.
ومرت الشهور.
تحولت الزمالة إلى أُنس، والأُنس إلى عشرة، والعشرة إلى شيء لم يجرؤ أيٌّ منهما على تسميته.
صار يعرف خطواتها في الممر قبل أن يراها. يعرف أنها حين تتوتر تمسك القلم بين أصابعها وتديره ببطء. ويعرف أنها تشرب القهوة بلا سكر في المناوبات الليلية، وأنها تخشى أخبار الحوادث أكثر مما تخشى غرف العمليات، وأنها إذا حزنت ازدادت هدوءًا بدلًا من أن تبكي.
أما هي، فكانت تعرف من صوته متى يكون متعبًا، وتضع أمامه كوب القهوة دون أن يسأل، وتترك له نصف قطعة الشوكولاتة التي تأتي بها من المنزل، وتقول مبتسمة:
— الطبيب الذي لا يأكل لا يحق له أن يطلب من مرضاه الاهتمام بصحتهم.
وكان يضحك.
لكنه في داخله كان يغرق.
غرقًا جميلًا ومخيفًا.
كان يعرف أن ما بينهما تجاوز الزمالة منذ زمن، لكنه ظل يؤجل الاعتراف، كأن الإنسان يستطيع بتأجيل الكلمات أن يؤجل ما يترتب عليها.
إلى أن جاءت ليلة غيّرت كل شيء.
رن هاتف ليلى، فابتعدت قليلًا لتجيب. وحين انتهت المكالمة عادت إليه، وذكرت اسم أبيها كاملًا في سياق حديث عابر.
تجمدت ملامحه.
وسألها محاولًا أن يبدو عاديًا:
— هذا اسم عائلتك؟
قالت:
— نعم.
ثم ابتسمت وأضافت:
— لماذا؟ هل تعرفهم؟
لم يجب.
لأن الاسم لم يكن غريبًا.
كان يعرفه جيدًا.
أكثر مما ينبغي.








