مقالات
عصران الراوي يكتب : استغلال الازمات ورهان الفوضى

حجم الخط:
في أوقات الازمات لا تختبر الشعوب قدرتها على الصمود فقط بل تختبر ايضا قدرة القوى السياسية على التعامل مع الازمات بمسؤولية
فهناك من يرى في الازمة جرس انذار يستوجب البحث عن اسبابها ومعالجة اثارها وهناك من يراها فرصة لاستثمار الغضب وتوسيع مساحة الاحتقان ثم تحويل معاناة المواطنين الى رصيد سياسي
وهنا تحديدا تبدأ الخطورة
فالمواطن الذي يواجه ضغوط الحياة يحتاج الى من يبحث عن الحلول لا من يضاعف مخاوفه ويغذي غضبه ويقنعه بأن الفوضى هي الطريق الوحيد للخلاص
ومن هنا يمكن فهم واحدة من اخطر ادوات الجماعات الايديولوجية وهي تحويل الازمات من مشكلة تحتاج الى علاج الى اداة تستخدم في معركة سياسية
اولا صناعة المظلومية
المظلومية ليست مجرد رواية عن معاناة حقيقية بل يمكن ان تتحول الى اداة سياسية عندما يعاد تفسير كل حدث داخل رواية واحدة تقوم على الاستهداف الدائم والمؤامرة المستمرة
وفي التجربة السياسية لجماعة الاخوان المسلمين ظل خطاب المظلومية حاضرا في مراحل مختلفة من خطاب الجماعة وانصارها باعتباره وسيلة للتعبئة والحشد واستعادة التعاطف
لكن الفارق كبير بين الدفاع عن مظلوم حقيقي وبين تحويل المظلومية الى مشروع سياسي دائم
فالنقد حق
والمحاسبة حق
وكشف الاخطاء ضرورة
لكن اختزال كل ازمة في مؤامرة وكل حادث في استهداف وكل مشكلة في انهيار شامل لا يقود الى اصلاح بل يدفع المجتمع تدريجيا نحو فقدان الثقة والاستقطاب
ثانيا عندما تتحول المأساة الى وقود سياسي
تزداد خطورة الاستغلال عندما يتعلق الامر بالدماء والضحايا
فالمشهد الانساني المؤلم قادر على تحريك المشاعر قبل اكتمال المعلومات
صورة صادمة قد تشعل الغضب
ومعلومة ناقصة قد تتحول الى اتهام
ورواية غير مكتملة قد تصبح خلال ساعات حقيقة يتداولها الناس
وهنا يصبح السؤال الاهم هل نبحث عن الحقيقة ام نبحث عما يخدم الرواية التي نريد تصديقها
الضحايا ليسوا ارقاما في معركة سياسية
والدماء ليست مادة للدعاية
والمآسي الانسانية لا يجب ان تتحول الى وسيلة للتحريض والكراهية والانتقام
من يريد حقا انصاف الضحايا يبحث عن الحقيقة والعدالة والمحاسبة
اما من يستثمر في المأساة من اجل اشعال الشارع فهو لا يدافع عن الضحية بقدر ما يستخدمها لتحقيق هدف سياسي
ثالثا الازمة الاقتصادية وسيلة للتعبئة
الازمات الاقتصادية اكثر المجالات التي يمكن ان يجد فيها الخطاب الشعبوي مساحة واسعة للانتشار
ارتفاع الاسعار وضغوط المعيشة وتراجع القدرة الشرائية كلها مشكلات يشعر بها المواطن بصورة مباشرة ولذلك يصبح استثمارها سياسيا امرا سهلا
لكن الاقتصاد اكثر تعقيدا من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي
فهناك التضخم العالمي واسعار الطاقة وسلاسل الامداد والظروف الاقليمية والدولية وحركة التجارة واسعار العملات الى جانب السياسات الاقتصادية المحلية التي يجب تقييمها ومراجعتها ومحاسبة المسؤول عن الخطأ فيها
ولهذا فان الاعتراف بالازمة لا يعني تسليم تفسيرها لمن يريد استغلالها
والنقد الاقتصادي الحقيقي لا يكتفي بوصف المشكلة بل يبحث عن اسبابها ويقترح حلولا قابلة للتنفيذ
اما تضخيم الازمة ثم تقديم جماعة سياسية باعتبارها المنقذ الوحيد فليس برنامجا اقتصاديا
انه توظيف سياسي لمعاناة الناس
رابعا من الغضب المشروع الى الفوضى
الغضب الشعبي ليس جريمة
والمطالبة بتحسين مستوى المعيشة ليست تحريضا
والاعتراض على السياسات حق مشروع
لكن الخط الفاصل يبدأ عندما يتحول الغضب من وسيلة للمطالبة بالاصلاح الى اداة لهدم الثقة في الدولة والمجتمع
هنا تتحول الازمة الى وقود
ويتحول المواطن من صاحب حق الى اداة في صراع سياسي
وتصبح كل مشكلة جديدة فرصة لاعادة اشعال الاحتقان
وهذه اخطر نقطة في المشهد كله
لان من السهل ان تشعل الغضب لكن من الصعب ان تتحكم في نتائجه
ومن السهل ان تهدم الثقة لكن من الصعب ان تعيد بناءها
ومن السهل ان تدفع المجتمع نحو الفوضى لكن لا احد يستطيع ان يضمن من سيدفع ثمنها اولا
خامسا اخطر شعار اما نحن او الفوضى
عندما تضع جماعة سياسية المجتمع امام خيارين فقط اما القبول بها او مواجهة الفوضى فانها لا تقدم نفسها باعتبارها طرفا سياسيا طبيعيا بل تحاول احتكار المستقبل
وهنا يجب ان يكون الرد واضحا
الوطن ليس امام خيارين فقط
هناك الاصلاح
هناك المحاسبة
هناك النقد
هناك المعارضة الوطنية
هناك تطوير المؤسسات
هناك التغيير السلمي عبر الوسائل السياسية والقانونية
اما الفوضى فليست برنامجا
والانهيار ليس اصلاحا
وسقوط مؤسسات الدولة لا يعني بالضرورة ان من دفع نحو سقوطها سيكون قادرا على اعادة بنائها
والتاريخ الحديث مليء بالدروس التي تؤكد ان هدم الدولة اسهل كثيرا من اعادة بناء مؤسساتها
سادسا الدولة ايضا امام مسؤوليتها
مواجهة استغلال الازمات لا تكون بالانكار ولا بتجاهل شكاوى المواطنين
الدولة مطالبة بأن تواجه الحقيقة بالحقيقة
ان تعترف بمواطن الخلل
وان تقدم المعلومات بشفافية
وان تشرح للمواطن اسباب الازمات وخطط التعامل معها
وان تحاسب المقصر
وان تفتح المجال للنقد المسؤول
فالشفافية ليست رفاهية
والمعلومة الدقيقة ليست مجرد بيان
والمحاسبة ليست ضعفا
بل هي جزء من قوة الدولة وقدرتها على حماية المجتمع من الشائعات والتضليل
كلما كانت الدولة واضحة وسريعة في التعامل مع الازمات تقلصت المساحة التي يتحرك فيها تجار الازمات
سابعا المواطن هو خط الدفاع الاول
في النهاية لا يمكن مواجهة الاستغلال الايديولوجي بالاجراءات الامنية او البيانات الرسمية وحدها
الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الاول
والمواطن الواعي يعرف ان من حقه ان ينتقد دون ان يمنح احدا حق اختطاف غضبه
يعرف ان الصورة ليست دائما الحقيقة
وان المنشور ليس دليلا
وان ارتفاع الاسعار مشكلة تحتاج الى تحليل وحلول لا الى شائعة جديدة
ويعرف ايضا ان الدولة التي تخطئ يمكن اصلاحها ومحاسبة المقصرين فيها دون ان يكون البديل هو هدمها
وهنا تظهر اهمية الاعلام المسؤول الذي لا يخفي المشكلات لكنه ايضا لا يحولها الى وقود للكراهية والفوضى
الخلاصة الوطن ليس ساحة لتجارب الجماعات
المعاناة الانسانية ليست ملكا لجماعة سياسية
والدماء ليست سلعة
والازمات الاقتصادية ليست فرصة للمتاجرة بغضب المواطنين
من حق المواطن ان يغضب
ومن حقه ان ينتقد
ومن حقه ان يطالب بالمحاسبة والاصلاح
لكن ليس من حق اي جماعة ان تصادر هذا الغضب وتضعه في خدمة مشروعها السياسي
الاختلاف لا يعني الفوضى
والمعارضة لا تعني هدم الدولة
والنقد لا يعني التحريض
والاصلاح لا يحتاج الى حرق الوطن
وفي النهاية تبقى الحقيقة الاهم
من يريد ان ينقذ الناس يبحث عن حلول لمعاناتهم ومن يريد استثمار معاناتهم يبحث عن ازمة جديدة
ولهذا يجب ان يكون الوعي اقوى من الشائعة والغضب اعقل من التحريض والنقد اكبر من المزايدة
فمصر ليست ملكا لجماعة ولا حكرا على تنظيم ولا ساحة لمشروع ايديولوجي
مصر وطن كامل اكبر من الجميع وأبقى من كل جماعة وأقوى من كل محاولة لتحويل ازماتها الى طريق للفوضى








