مقالات

عبد الحي عطوان يكتب : ​بائع الفخار وشظايا على أرضية الدكّان

حجم الخط:
في الأزقة القديمة لا تموت الأشياء دفعةً واحدة… بل تتآكل ببطء، كما تتآكل القلوب تحت وطأة الانتظار، ​كان “عمّ طاهر” يرص أصابعه فوق الطين بانتظام مثل عقارب الساعة التى لا تتوقف في دكانه الضيق بتلك الحارة التى تتشابه معالمها ورائحتها، كانت تدور عجلة الخزف بصوتٍ منتظم، كأنه نبضٌ آخر لقلبٍ أرهقه العيش.
​لم يكن “عم طاهر” كما يحب أن ينادونه يبيع مجرد أوانٍ وفخّار؛ كان يبيع أجزاءً من روحه. كل جرة تُغادر مشغله تحمل قطعةً من صمته الطويل الذي أثقل كاهله منذ أن رحل ابنُه الوحيد إلى بقعة بعيدة في هذا العالم، ولم يتبقَّ منه سوى رسائل شاحبة تقطعها السنوات، وساعة حائط قديمة تتكتك بالانتظار.
​في صباح يومٍ بارد كساه غياب الشمس عن الشروق، دخل الدكان رجلٌ أنيق، تفوح منه رائحة الغربة والسرعة. طاف ببصره بين القطع المرصوفة، ثم توقف أمام “شكل ” ضخم من الفخار المعتّق، تحفة نادرة صَنَعها طاهر قبل أعوام وجعل فيها عصارة معرفته بالطين والتحريق.
​سأل الغريب بلهجةٍ حاسمة: “بكم هذا؟”
​رفع عم طاهر عينيه المجهدتين وقال بهدوء: “هذا ليس للبيع يا بني. هذا صُنِع ليبقى هنا.”
​ابتسم الغريب ابتسامة واثقة، وأخرج من جيبه حزمةً من النقود تجاوزت أضعاف القيمة المعتادة لأعتى التحف، ووضعها على الطاولة قائلًا: “كل شيء له سعر يا شيخ. وأنا رجلٌ لا أملك الوقت للمفاوضات.”
​نظر طاهر إلى المال، ثم إلى وجه الغريب الصارم، وشعر بوطأة السنين وضغط الحاجة، فضلاً عن تعب الأيام التي لم تعد تتسع للأحلام الكبيرة. هزّ رأسه بأسى خفيف، وأخذ النقود، وساعد الغريب في حمل الفخار إلى سيارته الفارهة.
​غادر الرجل، وفرغ الدكان إلا من صرير العجلة الثابت. أخذ طاهر حزمة المال، وجلس على مقعده الخشبيّ. كان يعرف أن هذا الثمن الكبيرة سيؤمّن له قُوتَ سنوات قادمة دون حاجةٍ للوقوف طويلاً أمام النار. لكنه، ولأول مرة منذ عقود، شعر بردّة ألمٍ جافة في صدره؛ لقد باع أثمن ما ينبض في عزلته.
​مرت أسابيع… وفي يومٍ ممطر، بينما كان طاهر يمرّ بالصدفة بالقرب من مستودع القمامة الكبير في رأس الشارع الرئيسي، لمحت عيناه شيئًا حادًا يلمع تحت المطر.
​دنا بخطواتٍ ثقيلة، لتتسمر قدماه في مكانهما.
​كان فخاره العظيم ملقىً هناك… مكسورًا إلى شظايا كبيرة، بعد أن تُرك على هامش الطريق ليتحطم بأقدام العابرين وعجلات السيارات. يبدو أن الغريب سقط منه وهو يحمله، أو أنه لم يجد له مكاناً مناسباً في بيته الحديث، فاستغنى عنه ببرود.
​انحنى عم طاهر على الركبتين المرتجفتين وسط المطر. لم يبكِ، ولم يصرخ. جمع كسرةً صغيرة من الطين المحروق بيده المرتعشة، وتأمل أطرافها الناعمة التي صقلها بدمه وعرقه يوماً ما. مسح الطين عن الكسرة الصغيرة، وأدرك في تلك اللحظة الحقيقة الأكثر إيلاماً: إن الفاجعة ليست في أن تبيع أثمن ما تملك مقابل المال… بل في أن تكتشف أن من اشتراه، لم يكن يملك القيمة الكافية ليفهم معناه.
​لملم عم طاهر الشظايا المبعثرة بثوبها البلل، وحملها بين أحضانه كما يحمل أباً كسيراً جثمان طفله الأخير. عاد إلى دكانه المهجور، وأسرع يشعل ناره القديمة، ومسح بأصابعه المرتعشة على حوافّ القطع المكسورة محاولاً إعادة التحامها، علّه يرمم ما أفسده الغريب.
​غير أن الطين بعد أن يجتاز النار لا يعود لدنياه القديمة؛ كانت الأجزاء غريبة عن بعضها، وكلما حاول ضمّ كسرة إلى أختها، انزلقت الأخرى وسقطت لتتطاير شظايا أضيق، وكأن الفخار يحاول أن يخبره أن ما انكسر بفعل القسوة لا تجبره حسرة المنتظرين.
​توقف حراك أصابعه فجأة… وغرقت عيناه في السواد المحيط به.
​لم تكن الكسائر التي بين يديه مجرد طينٍ محروق، بل كانت مرآةً داكنة انعكس عليها عمره بأكمله. رأى في الشظايا هجر زوجته التي أضناها جفافه وجلوسه الطويل أمام عجلة الفخار حتى غادرت البيت ذات ليلة بلا رجعة، ورأى وجوه أبنائه الذين تفرقوا في زوايا الأرض، يهربون من صمته وجدرانه الخاوية.
​و​وسط تلك العتمة التي غلفت الدكّان وسكون الليل الثقيل، قطعت تكتكة ساعة الحائط القديمة فجأة، انشقّ الصمت عن صرير الباب الخشبي.
تسلل شعاع من ضوء الشارع إلى الداخل، وامتد فوق الأرضية حتى لامس الشظايا.
فتح عمّ طاهر عينيه.
رأى ظلًا طويلًا يقف عند العتبة، وإلى جواره حقيبة سفر أكلت أطرافها المطارات والطرقات.
دخل الرجل بخطوات بطيئة.
كان في وجهه شيء مألوف، وفي عينيه وجع قديم.
نهض عمّ طاهر نصف نهضة، ثم عجز عن الحركة.
اقترب القادم أكثر.
​توقفت الخطوات أمام الطاولة. امتدت يدٌ شابة، وانحنت ببطء لتلمس الكسرة المكسورة المتبقية على الأرضية. رفع الشاب وجهه، والتقت العينان… كانت هما ذات العينين اللتين غادرتا الحارة منذ سنوات،
​قال الابن بصوتٍ خنقته العبارات:
ظننت أن العالم أوسع من هذا المكان، وأن الغربة ستمنحني كل شيء. ركضت خلف مدن لا تعرف اسمي، وجمعت أشياء كثيرة… لكنني كلما عدت إلى غرفتي، كنت أسمع عجلة الفخار تدور في رأسي…. عرفتُ متأخراً أن العالم كله لا يساوي دفء دكانك، ولا قيمة للركض وراء سراب الغربة إن كانت الأصول تتكسر في الغياب.”
​سقطت الحقيبة جانباً. جثا الابن على ركبتيه أمام والده العجوز، وأخذ بيده الملطخة بالرماد والشظايا، فقبّلها بأسى، ثم وضع كفيه فوق يدي أبيه، واحتضن الكسرة المكسورة معهما قائلًا:
“دعني أحمل المتبقي من هذا العمر معك… ما انكسر من الفخار سنصنع بدلاً منه أواني جديدة، وما تصدّع من سنواتنا سنرممه بما بقي لنا من أيام.”
​توقفت عجلة الخزف عن الصرير الجاف، وبدأت تدور بنغمةٍ جديدة تحت أصابع الابن وهي تتشكل فوق طينٍ جديد، بينما جلس طاهر بجانبه يستند بظهره التعب إلى الجدار، ويمسك بيده استراحة المحارب بعد رحلة طويلة.
​أدرك “عم طاهر” وهو يرى ابنه يشعل النار من جديد، أن بعض الشظايا لا تُجمع لتُرمم الماضي المكسور فحسب، بل لتبدأ منها الحياةُ بروحٍ جديدة… وأن أثمن ما يملكه المرء ليس ما يصنعه بيده من تحف، بل يدٌ حنونة من دمه تمسك بيده حين تخذله القوة، لتقول له: “لقد عدتُ لكي لا تسقط ثانية.”
ربما لم يكن الفخار يومًا مجرد قطعة من الطين… وربما يحمل كل واحدٍ منا في قلبه “فخارًا” يخشى أن يبيعه، أو يكتشف متأخرًا أنه كان أثمن مما ظن.
فما هو “الفخار” في حياتك أنت؟
زر الذهاب إلى الأعلى