مقالات

أيمن بحر يكتب : الأدب حين يصبح مرآة للإنسان

حجم الخط:
الأدب ليس مجرد كلمات تصطف فوق صفحات ولا حروف تتزين بها الكتب وإنما هو صوت الإنسان حين يعجز الواقع عن التعبير عن مشاعره وهو الذاكرة التى تحفظ ما تحاول الأيام أن تنساه وهو المرآة التى يرى فيها الإنسان نفسه بكل ضعفه وقوته وانكساراته وأحلامه
الأدب الحقيقى يولد من رحم الحياة من الألم والفرح من الحب والفقد من الحلم والانكسار من لحظات الانتصار ومن تلك التفاصيل الصغيرة التى قد تمر على الإنسان العادي دون أن ينتبه إليها بينما يلتقطها الأديب بعين مختلفة ويحولها إلى معنى يبقى فى الذاكرة
فالكاتب لا يكتب لأنه يمتلك الكلمات فقط وإنما يكتب لأنه يشعر بما لا يشعر به الآخرون أو لأنه يستطيع أن يمنح المشاعر التي نعجز عن وصفها لغة تستطيع الوصول إلى القلب
ولذلك ظل الأدب عبر التاريخ شاهدًا على الإنسان والمجتمع فهو الذي حفظ لنا ملامح العصور وحكايات الشعوب وأحلام البسطاء وصراعات البشر وأفكارهم وهو الذي جعلنا نعرف كيف كان الإنسان يفكر ويحب ويحلم ويخاف في أزمنة لم نعشها
والأدب أيضًا مسؤولية فالكلمة قد تبني إنسانًا وقد تهدمه وقد تفتح نافذة للأمل وقد تدفع إلى اليأس ولهذا فإن الكاتب الحقيقي لا ينظر إلى قلمه باعتباره وسيلة للشهرة وإنما باعتباره أمانة
فالكلمة الصادقة تستطيع أن تغير فكرة وأن تصنع وعيًا وأن تمنح إنسانًا مكسورًا سببًا جديدًا للاستمرار
وفي زمن أصبحت فيه السرعة تسيطر على كل شيء وأصبحت الكلمات تختصر في جملة عابرة أو منشور سريع تظل الحاجة إلى الأدب أكبر من أي وقت مضى لأن الإنسان مهما تطورت التكنولوجيا من حوله سيظل بحاجة إلى قصة تحرك مشاعره وقصيدة تلامس روحه وكلمة صادقة تقول له إنه ليس وحده
الأدب لا يهرب بنا من الواقع وإنما يمنحنا القدرة على فهمه
إنه يجعلنا نرى الإنسان خلف الموقف ونفهم الألم خلف الصمت ونكتشف الحكايات التي لا تظهر على السطح
وقد يكون أعظم ما يقدمه الأدب للإنسان أنه يعلمه التعاطف فعندما نقرأ عن شخص مختلف عنا في حياته أو ظروفه أو أفكاره فإننا ندخل عالمه ونعيش بعضًا من مشاعره فنكتشف أن الإنسان في النهاية تجمعه بالآخرين أشياء كثيرة مهما اختلفت الوجوه والبلدان والظروف
ومن هنا يصبح الأدب جسرًا بين القلوب والعقول
إن المجتمع الذي يحترم الأدب هو مجتمع يحترم الوعي والذاكرة والإنسان لأن الأدب ليس ترفًا ثقافيًا كما يظن البعض وإنما هو جزء من بناء الشخصية وتكوين الوعي وترسيخ القيم
وفي النهاية يبقى الأدب واحدًا من أجمل انتصارات الإنسان على النسيان
فقد يموت الكاتب ولكن تبقى كلماته وقد ينتهي زمن كامل ولكن تبقى صفحاته شاهدة عليه وقد يختفي أصحاب الحكايات من الحياة لكن الأدب يمنحهم حياة أخرى بين السطور
ولهذا سيظل القلم حاضرًا ما دام هناك إنسان يشعر ويحلم ويتألم ويبحث عن معنى
فالأدب ليس أن تكتب ما تعرفه فقط وإنما أن تجعل القارئ يشعر بما كتبت
زر الذهاب إلى الأعلى