مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: زلزال في شرق المتوسط … كيف تحولت “شعرة معاوية” مع تركيا إلى تحالف عسكري يربك حسابات إسرائيل؟

حجم الخط:

في عالم السياسة والدبلوماسية، تُدرس “شعرة معاوية” كفن أصيل لإدارة الأزمات؛ تلك الخيوط الواهية التي تمنع انقطاع العلاقات تماماً وتبقي أبواب المواربة مفتوحة حتى في أحلك أوقات الخلاف وما شهدته العلاقات (العربية التركية / المصرية التركية) في السنوات الأخيرة لم يكن مجرد إذابة للجليد بل كان تجسيداً حياً لكيفية تحويل تلك “الشعرة” الضعيفة إلى جسر استراتيجي صلب، قاد في نهاية المطاف إلى عودة العلاقات كاملة وتوّج بتعاون عسكري غير مسبوق، بدأ يلقي بظلاله الثقيلة والمقلقة على تل أبيب.

فن الصبر الاستراتيجي تم تطبيقه بكل حرفيه في ذلك الملف الحساس فمن القطيعة إلى غرف العمليات المشتركة لم تكن العودة إلى الدفء وليدة الصدفة، بل كانت نتاج قراءة دقيقة للمصالح الجيوسياسية المتغيرة وعندما كانت الأبواق الإعلامية تتحدث عن قطيعة كاملة، كانت القنوات الاستخباراتية والدبلوماسية الخلفية تحافظ بعناية على “شعرة معاوية”. هذا الصبر الاستراتيجي سمح للطرفين بتجاوز الخلافات الأيديولوجية والملفات الإقليمية المعقدة (من ليبيا إلى شرق المتوسط)، والتركيز على القواسم المشتركة.
اليوم، تجاوزت العلاقات مرحلة “المصافحات البروتوكولية” لتدخل في مربع التنسيق العملياتي عالي المستوى، ولم يعد الحديث مقتصرًا على التبادل التجاري والسياحة بل انتقل مباشرة إلى “الخطوط الحمراء” الأمنية حيث تُوّج التقارب بزيارات متبادلة لقمة الهرم السياسي والمنظومة العسكرية في البلدين.
تلك القنبلة الدبلوماسية شملت تعاون عسكري يعيد رسم الخرائط
والمفاجأة الأكبر التي حبست أنفاس المراقبين لم تكن مجرد تبادل السفراء، بل القفزة الهائلة نحو التعاون العسكري غير المسبوق، هذا التعاون لم يعد مجرد مناورات رمزية، بل تحول إلى:
نقل وتوطين تكنولوجيا الدفاع مع دخول الطائرات المسيرة التركية (مثل بيرقدار وآقنجي) ومشاريع التصنيع المشترك لقطع بحرية متطورة حيز التنفيذ.
التنسيق البحري في شرق المتوسط، وهو المربع الأكثر حساسية، حيث يمتلك الطرفان أكبر قوتين بحريتين في المنطقة، والتنسيق بينهما يعني عملياً فرض قواعد لعبة جديدة على ممرات الطاقة والتجارة.
التكامل الاستخباراتي و تبادل فوري للمعلومات يتعلق بملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، مما يغلق الثغرات التي كانت تُستغل سابقاً لإثارة الخلافات.
بات ذلك التقارب بمثابة كابوس لتل أبيب، فلماذا ترتعد إسرائيل من هذا التقارب؟، في غرف صناعة القرار داخل إسرائيل، لا يُنظر إلى هذا التقارب على أنه مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل باعتباره “تهديداً استراتيجياً من الدرجة الأولى”، فطوال سنوات الخلاف التركي-العربي، عاشت إسرائيل في منطقة أمان نسبي، مستفيدة من التنافس والتحالفات المضادة لتعزيز نفوذها في ملفات غاز شرق المتوسط وتمرير مخططاتها الاستيطانية والإقليمية دون رادع حقيقي موحد.
اليوم، يمثل هذا التحالف الجديد خطورة داهية على إسرائيل لثلاثة أسباب رئيسية:
كسر الاستفراد بملف غاز المتوسط فالتنسيق البحري والدبلوماسي بين قوتين بحريتين ضخمتين كتركيا ومحيطها العربي يعني تضييق الخناق على الطموحات الإسرائيلية في تصدير الغاز، و تحجيم منتدى غاز شرق المتوسط بصيغته القديمة التي كانت تقصي أطرافاً رئيسية.
إنهاء عصر “المحاور الهشة”، فطالما سعت إسرائيل طويلاً لبناء محور إقليمي يضمها مع بعض الأطراف لمواجهة قوى أخرى، وعودة تركيا إلى قلب التنسيق العسكري مع ثقلها الإقليمي يبدد هذه الاستراتيجية، ويخلق جبهة ضغط سياسي وعسكري موحدة قادرة على فرض توازنات ردع جديدة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والأمن القومي العربي والتركيز على حماية غزة ولبنان.
التفوق التكنولوجي والعسكري المشترك، تخشى تل أبيب من أن يؤدي التكامل العسكري (التصنيع المشترك والمناورات الضخمة) إلى تحييد التفوق النوعي الذي تسعى لفرضه دائماً في المنطقة، لاسيما وأن السلاح التركي أثبت كفاءة عالية في معارك حقيقية ومفصلية.
إن التحول الدراماتيكي من الحفاظ على “شعرة معاوية” إلى بناء درع عسكري مشترك يثبت أن المصالح الحيوية للدول تعلو دائماً فوق الخلافات العابرة، وبينما تلمم المنطقة أوراقها وتعيد ترتيب تحالفاتها، تجد إسرائيل نفسها أمام حقيقة مجردة وصعبة: شرق المتوسط لم يعد مسرحاً مفتوحاً لتحركاتها المنفردة، والقوى الإقليمية الكبرى قررت أخيراً صياغة معادلة الأمن والدفاع بأيديها، وبأدوات تفوق عسكري لم تشهدها المنطقة من قبل.
زر الذهاب إلى الأعلى