مقالات

عبدالحى عطوان يكتب : حين صار البيت غرفة …. وبقيت الأسئلة وحدها

حجم الخط:
في ليالي الخمسين، يصبح الليل أطول مما ينبغي.
لا لأن ساعاته تزداد، بل لأن الإنسان يبدأ في سماع صوته الداخلي لأول مرة… ذلك الصوت الذي ظل يختنق بين ضجيج العمل، وطلبات الأبناء، ومسؤوليات الحياة، حتى إذا هدأت الضوضاء، خرج من أعماقه ليسأله: ماذا بقي منك؟
كان يجلس على حافة سريره كل ليلة، يتأمل سقف الغرفة كما لو كان يقرأ عليه سنوات عمره. لم يعد يرى جدرانًا، بل وجوهًا مرت أمامه، وأحلامًا ولدت ثم ماتت في صمت، وامرأة أحبها يومًا حتى ظن أن قلبه لن يعرف امرأة غيرها.
يبتسم بحزن…
ويتذكرها.
كانت يومًا فتاة تشبه الربيع، تمشي بخفة حتى يخيل إليه أن الأرض تستحي أن تلامس قدميها. لم يكن يعرف من الدنيا إلا أن الحب يكفي، وأن المرأة التي اختارها ستكون رفيقة الطريق مهما طال.
كان صغيرًا… وكانت الحياة أكبر من خبرته.
لم يكن يدري أن بعض الطباع تنام طويلًا، ثم تستيقظ بعد الزواج، وأن بعض الأقنعة لا تسقط إلا حين تغلق الأبواب، ويغيب الغرباء.
ومع ذلك… أحبها.
أحبها كما يحب الفقراء أحلامهم.
سافر كثيرا فى كل الاتجاهات…
وغاب عن بلده
وعمل تحت شمس لا ترحم، وبين غرباء لا يعرفون اسمه، يحمل فوق كتفيه همّ بيت كامل. لم يكن يحصي ساعات العمل، بل كان يحصي ما سيضيفه إلى مستقبل زوجته وأولاده. كان يؤمن أن الرجل لا يُقاس بما يقوله، بل بما يبنيه.
وكان يبني…
بيتًا.
وأرضًا.
وتعليما للأبناء.
ومستقبلًا يظنه كافيًا ليمنح الجميع السكينة.
لكنه نسي أن البيوت لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل بالكلمة الحانية، وبالابتسامة، وبالاحتواء، وبالرحمة التي إذا غابت، صار المنزل أكثر وحدة من كوخ فقير.
كلما عاد إليها بعد خصام ممتد، عاد إليها بقلب طفل ينتظر السكينة في عينيها.
لكنها كانت لم تأتى .
وكانت المسافة تكبر.
لا بالأمتار…
بل بالصمت.
شيئًا فشيئًا، صار الحوار بينهما يشبه رسائل تُرسل إلى عنوان قديم لا يسكنه أحد.
هي تتحدث…
وهو يصمت.
هي تصرخ…
وهو يبتلع كلماته خوفًا على صورة البيت أمام الناس.
كانت أمام الآخرين امرأة أنيقة، تعرف كيف ترتب ملامحها، وكيف تخفي تعبها خلف ابتسامة مدروسة.
أما داخل البيت…
فكان يشعر أنه يعيش مع امرأة أخرى.
امرأة لا ترى فيه إلا خصمًا ينبغي الانتصار عليه.
كل نجاح يحققه يتحول إلى معركة.
كل رأي يقوله يصبح سببًا للعناد.
وكل محاولة للهدوء تنتهي بصوت مرتفع يسبق الجيران إلى سماعه.
ومع السنوات…
لم يمت الحب دفعة واحدة.
بل مات بالتقسيط.
في كل كلمة قاسية.
وفي كل تجاهل.
وفي كل ليلة نام فيها وهو يخفي وجعه.
حتى حين هاجم المرض جسده، كان ينتظر يدًا تمسح عن جبينه التعب.
لكن اليد لم تأت.
فاكتشف أن أكثر الأمراض إيلامًا ليس ما يصيب القلب أو السكر أو الضغط…
بل ذلك الفراغ الذي يجلس إلى جوارك على مائدة واحدة، وينام معك تحت سقف واحد، ثم يجعلك تشعر أنك وحيد.
واليوم…
وقد عبر الخمسين…
لم يعد يخاف من الشيخوخة.
بل يخاف أن يشيخ الحزن داخله.
كلما دخل بيت أحد أصدقائه، ورأى زوجة تستقبل زوجها بابتسامة، أو بيتًا تعبق فيه رائحة الدفء، عاد يسأل نفسه سؤالًا يزداد قسوة مع مرور الأيام:
أين أخطأت؟
أفي الاختيار؟
أم في الصبر؟
أم في أنني ظننت أن الحب وحده قادر على هزيمة الطباع؟
ثم يضحك بمرارة…
لقد أمضى عمره يؤمّن مستقبل أسرته.
لكن من كان يؤمّن مستقبله هو؟
من كان يرمم قلب الرجل الذي ظل يرمم حياة الجميع؟
ومن قال إن الرجال لا يحتاجون إلى كلمة حنان، أو حضن، أو امرأة يشعرون معها أنهم عادوا إلى البيت، لا إلى فندق ينتظرون فيه موعد النوم؟
ظل يحدق في المرآة طويلًا.
رأى شعرًا غزاه الشيب.
وعينين أنهكهما السهر.
ورجلًا لم يعد يعرف إن كان ما يزال يحب زوجته…
أم يحب صورة الفتاة التي رآها أول مرة، ثم ضاعت في زحام السنين.
أطرق رأسه…
وهمس لنفسه، كمن يخشى أن يسمعه أحد:
هل انتهى كل شيء حقًا؟
أم أن بين هذا الركام زهرة واحدة ما زالت تنتظر من يرويها؟
هل أرحل بعدما أفنيت عمري في بناء هذا البيت؟
أم أبقى فأفني ما بقي من عمري؟
هل يكون الطلاق نهاية ظلم…
أم بداية ظلم آخر؟
وهل الأولاد يحتاجون إلى بيت قائم على الجدران…
أم إلى بيت قائم على المودة؟
ثم تنهد طويلًا…
وأطفأ المصباح.
لكن الأسئلة بقيت مستيقظة…
وكانت تلك الليلة، ككل الليالي، أطول من أن تنتهي. فقد وضعت النهاية التى لم يتوقعها فقد ماتت تلك الفتاة التى عرفتها عيناه فى العشرينيات من عمره
زر الذهاب إلى الأعلى