مقالات

عبدالحى عطوان يكتب : ​قيد التسلُّق.. وهشاشة القمة

حجم الخط:
​نبتَ في طين القرية لا كزرعها الطيب، بل كطفيليٍّ يتقن فن الالتواء حول الجذوع الفارعة. كان “متسلقاً” بالفطرة، يرى في الوجوه سلالم، وفي المبادئ بضائع تُعرض في مزاد المنفعة. وُلِد لأسرةٍ كفافُها الصبر؛ أبٌ يحرث بضعة قراريط بظهرٍ محنٍ، وأمٌّ لا تملك من حطام الدنيا سوى “جاموسة” هي شريان الحياة ومصدر القوت لشقيق وشقيقه له، لكن عيني الفتى كانت ترنو إلى بريق السلطة، حيثُ تُبنى القصور من رمال المداهنة.كان ذكيا منذ طفولته ،
​بدأ تسلُّقه الأول بالتمسّح بأذيال “وجيه البلدة”، ذلك السفير المقيم بالقاهرة، يقتفي أثره كظله، حتى نال بـ”واسطته” وظيفةً في إحدى الشركات؛ لا لمهارةٍ حازها ولا لتعليمه المتوسط، بل لخدماتٍ قدّمها في دهاليز المكاتب، ومن هنا بدأت رحلته مع ذلك السياسي حتى استطاع أن يقنعه أن يكون ذراعه في عمل آخر تم تكليفه به. وهناك، في ممرات الوظيفة الجديدة، وقعت عيناه على “مُعلّمة” وقورة، كانت تمثل له صيداً ثميناً؛ فهي الواجهة الاجتماعية والراتب المضمون وبضعة قراريط تمثل ورثتهامن ابيها. استمالها بلسانٍ يقطر عسلاً زائفاً، حتى نال مبتغاه وتزوجها، ليبدأ فصلاً جديداً من السمسرة؛ فصار “سمسار البطايق ثم الخدمات ثم الوظائف”، يبيع الأوراق الرسمية والمعلومات والتأشيرات مقابل دراهم معدودة، يقتاتُ على حاجة البسطاء ويراكم ثروته من سُحت التزوير.
​مرّت السنون، وأثمرت الزيجة أبناءً صاروا في ريعان الشباب، لكنّ “النهم” في قلبه لم يشبع. حين استقام عوده بفضل تضحيات الزوجة التي ساندت بداياته المتعثرة، زاغت عيناه نحو “حسناء تعمل بالجامعة بالقسم الذى يتردد عليه”، رأى فيها انتصاراً أخيراً لرجولته الواهمة. بدأ ينسج شباكه حولها، يختلس اللقاءات في أطراف “المدينة الجديدة”، بعيداً عن عيون شباب القرية مسقط رأسه، وظناً منه أن الماضي قد وُوري الثرى. لكنّ الزوجة، التي علّمتها الأيام فراسة الصمت، كانت تقرأ الخيانة في عينيه قبل أن تنطق بها أفعاله فكثيرا ما وصلت إليها حكاياته وصورة الفاضحة. لم تكن امرأةً تكتفي بالبكاء فوق الأطلال، بل قررت أن تكون هي “النهاية” لمن ظنّ أنه بلا نهاية.
​اقتحمت قصتهما في المدينة الجديدة، بوقار المظلوم الذي استردّ بصره، وقالت بكلماتٍ كأنها وقع النصال: “يا ابنتي، لا يغرنكِ بناءٌ شُيّد على أنقاض الوفاء؛ فمن صعد على أكتاف الناس لا غريب عليه أن يبيع العشرة من أجل حسناء، وثقي لن يتردد في بيعكِ حين يجدُ سلّماً أعلى.”
​لم تكن تلك المواجهة مجرد فضيحة، بل كانت “هدم المعبد” على رؤوس الجميع؛ سقطت السقوف المستعارة لتعرّي هشاشة البناء. غادرت الزوجة لقريتها ووظيفتها بكرامتها، تاركةً إياه في عراء الحقيقة المريرة. لقد غدا “عرياناً” من كل زينةٍ استعارها، وسقطت عنه مهابةٌ زوّرها له الزمان، وما لبثت “الحسناء” أن انفضت عنه حين أدركت أن بريقه لم يكن إلا انعكاساً لضوءٍ خافتٍ استمده من صبر امرأةٍ خذلها، فلما انطفأ الوفاء، غرق هو في ظلامه.
​وجد المتسلق نفسه وحيداً؛ سقطت الأقنعة أمام أبنائه، وتهاوت هيبته، وعاد إلى قريته يجر أذيال الخيبة؛ فلا هو نال رغد المدينة، ولا هو حفظ طهر الريف. لقد أدرك يقيناً، وهو ينظر إلى يديه الخاويتين، أن العلوّ بغير “أصل” هو سقوطٌ مؤجل، وأن السلم الذي يفتقر إلى طهر المنابت لا بدّ أن يهوي بصاحبه إلى “القاع السحيق”.مدركا الجميع أن هذا ليس الفصل الوحيد فى قصص البطولات التى بناها على جثث التزوير.
هذة قصة حقيقية والسؤال هل النموزج ده منتشر بمجتمعنا؟؟
زر الذهاب إلى الأعلى