حين تفهم أن الصمت كان يحميك أكثر مما يجرحك

يمر الإنسان بمواقف كثيرة يختار فيها الصمت ليس لأنه ضعيف ولا لأنه عاجز عن الرد بل لأنه يعلم أن الكلام أحياناً يزيد الوجع وأن التبرير لمن لا يفهمك إهانة لصوتك الداخلي فيسكت حتى لا يخسر نفسه وحتى لا يشرح شيئاً لا يستحق الشرح وحتى لا يمنح أحداً فرصة لجرح أعمق ومع تكرار التجارب يبدأ يدرك أن الصمت لم يكن هروباً كما ظن البعض بل كان سلاحاً يحميه من الدخول في معارك
لا تستحق ويحمي قلبه من الردود التي يعرف أنها ستندم عليها لاحقاً ويحمي روحه من استنزاف لم يعد يحتمله وأن الامتناع عن الكلام كان قراراً نابعاً من وعي لا من خوف ويبدأ يفهم أن الرد ليس واجباً وأن الدفاع عن نفسه ليس فرضاً وأن رأي الآخرين فيه لا يصنعه ولا يهدمه وأن الحقيقة تظل حقيقة حتى لو لم يشرحها لأحد وأن الناس التي تصر على سوء الفهم لن تفهمه ولو كتب ألف
كلمة وأن من يريد الخير له سيقرأ صمته قبل كلامه ووسط هذا الهدوء الداخلي يشعر بتغير كبير يعود يلتفت لنفسه أكثر يلاحظ كم كان صمته يحمي سلامه ويبعده عن المشاحنات التي كانت تسرق منه أياماً طويلة ويكتشف أن كثيراً من المواقف لو رد فيها لخسر أكثر مما كسب وأن الصمت كان نعمة لم يعرف قيمتها إلا بعد أن هدأ كل شيء ومع مرور الوقت يصبح أكثر انتقاء لكلماته لا يرفع صوته
إلا لما يستحق ولا يبرر إلا لمن يفهمه ولا يفسر إلا لمن يقدّر لأنه أدرك أن احترامه لنفسه لا يحتاج ضجيجاً وأن كرامته ليست قابلة للتفاوض وأن صمته ليس ضعفاً بل دليل قوة لا يملكها إلا من تعلم الدرس جيداً يفهم الإنسان أن الصمت ليس غياباً كما يظن البعض بل حضورٌ عميق وصوتٌ أقوى من الكلام وأنه حين يصمت فإنه يحافظ على نفسه من الانكسار ويحفظ قلبه من الردود المتسرعة
ويحمي روحه من الفوضى وأن الحياة تصبح أخف حين لا يضطر لتفسير كل خطوة ولا تبرير كل إحساس وأن صمته كان دائماً أكثر وفاء له مما كان يتخيل








