الأموال الساخنة حين يتحول الاستثمار إلى زائر عابر

لم تعد معركة الاقتصاد في العالم الحديث تدور فقط حول الإنتاج والصناعة والتجارة بل أصبحت ساحة أخرى أكثر حساسية تتعلق بحركة رؤوس الأموال التي تعبر الحدود في لحظات ومن بين أكثر هذه الظواهر إثارة للجدل ما يعرف بالأموال الساخنة وهي تلك الاستثمارات الأجنبية السريعة التي تدخل الاقتصادات بحثا عن الربح السريع ثم تغادر بالسرعة نفسها عند أول إشارة خطر
الأموال الساخنة ليست استثمارا بالمعنى التقليدي فهي لا تبني مصنعا ولا تخلق وظيفة ولا تضيف قيمة حقيقية إلى الاقتصاد بقدر ما تبحث عن فرصة مالية مؤقتة في أدوات الدين أو أسواق المال مستفيدة من ارتفاع أسعار الفائدة أو استقرار العملة وعندما تتغير المعادلة قليلا تبدأ رحلة الخروج الجماعي تاركة وراءها اضطرابا في الأسواق وضغوطا على العملة وارتباكا في السياسات الاقتصادية
في لحظات الهدوء تبدو هذه الأموال وكأنها شريان سيولة مهم يضخ مليارات الدولارات في الأسواق ويعزز الاحتياطي النقدي ويدعم قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتحول هذا الشريان إلى صمام سريع الانفجار لأن طبيعة هذه الأموال تجعلها الأكثر حساسية لأي تغير سياسي أو اقتصادي أو حتى نفسي في الأسواق العالمية
التجارب الدولية أثبتت أن الاقتصادات التي تعتمد بشكل مفرط على الأموال الساخنة تعيش دائما على حافة التقلب فالتدفقات التي تدخل اليوم قد تتحول غدا إلى موجة خروج جماعي تضرب الأسواق المالية وتضغط على العملة وترفع تكلفة التمويل وتربك خطط التنمية ولهذا ينظر كثير من الاقتصاديين إلى هذه الأموال باعتبارها سيفا ذا حدين قد يمنح الاقتصاد دفعة مؤقتة لكنه لا يصنع استقرارا طويل الأمد
الرهان الحقيقي لأي اقتصاد قوي لا يجب أن يكون على الأموال التي تأتي سريعا وتغادر أسرع بل على الاستثمارات التي تبقى وتعمل وتنتج وتخلق فرصا جديدة فالمصنع الذي يبنى اليوم سيظل يضيف إلى الاقتصاد سنوات طويلة أما الأموال الساخنة فهي أشبه بضيف عابر يطرق الباب في أوقات الرخاء لكنه أول من يغادر عندما تهب رياح الأزمات
ولهذا تبقى القاعدة الاقتصادية الأكثر رسوخا أن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه حركة الأموال السريعة بل تبنيه قواعد الإنتاج القوي والاستثمار طويل الأجل والاقتصاد الذي ينجح في جذب هذه النوعية من الاستثمارات هو الاقتصاد الذي يملك القدرة على الصمود في وجه تقلبات العالم








