تقارير وتحقيقات

مضيق هرمز بين مطرقة ترامب وسندان بكين هل تنزع الصفقة الكبرىفتيل الانفجار؟

حجم الخط:
فى ظل قراءة وتحليل المقال الاخير لمعالى اللواء أركان حرب سمير فرج يتضح أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من زيارته التاريخية إلى بكين لم تكن مجرد جولة دبلوماسية تقليدية، بل جاءت لترسم ملامح خريطة جيوسياسية جديدة للشرق الأوسط، تتداخل فيها لغة الأرقام والصفقات التجارية الكبرى بأصوات الطائرات والتحركات العسكرية عند مضيق هرمز؛ ذلك الشريان الحيوي الذي يمسك بأنفاس الاقتصاد العالمي، وتتدفق عبره دماء النفط والغاز إلى قارات العالم أجمع.
إن المشهد الراهن يعكس بوضوح فلسفة “إدارة الصفقات” التي ينتهجها ترامب، حيث نجح في انتزاع تأييد صيني حاسم لعدم أحقية إيران في امتلاك السلاح النووي، مع ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية. ولم يكن هذا الدعم مجانياً، بل جاء مغلفاً ببراجماتية اقتصادية بحتة، تجسدت في صفقة شراء بكين لمائة طائرة “بوينج” أمريكية، مقابل فتح الأسواق لتدفق فول الصويا والنفط الأمريكي إلى التنين الصيني؛ ما يثبت أن المصالح الاقتصادية الكبرى باتت هي المحرك الأساسي لصياغة المواقف السياسية والأمنية للقوى العظمى.
وفي عمق هذه التفاهمات، برزت الصين كطرف ضامن وثالث موثوق في معادلة الصراع؛ فالموافقة الصينية على تسلم 450 كيلو جراماً من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% مثّلت مخرجاً دبلوماسياً عبقرياً حيد غطرسة الأطراف، بعدما رفضت طهران تسليم هذه الشحنة لواشنطن، ورفضت الأخيرة إيداعها لدى موسكو. هذا الاختراق الدبلوماسي منح ترامب مساحة للمرونة، ملمحاً إلى إمكانية تعليق البرنامج النووي الإيراني لعشرين عاماً، وهو ضعف المدة التي حددها اتفاق عهد أوباما السابق، والتي طالما انتقدها ترامب في ولايته الأولى.
لكن هذه الأجواء الدبلوماسية لم تمنع واشنطن من ممارسة استراتيجية “التصعيد السيكولوجي”؛ فبمجرد عودة ترامب، نشر تدوينة غامضة عبر منصته “تروث سوشيال” تحمل عبارة “هدوء ما قبل العاصفة” مستعرضاً خلفية لسفن إيرانية في البحر، تلاها بتصريحات تؤكد أن طهران ستواجه وقتاً عصيباً إن لم تنصع للاتفاق. وعلى المقلب الآخر، سارعت إسرائيل عبر منصاتها العسكرية للإعلان عن جاهزية خططها لاستئناف العمليات العسكرية واستهداف منشآت الطاقة والكهرباء الإيرانية، محاولة كعادتها جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مسلحة مباشرة تحقق مصالح تل أبيب بضرب البنية التحتية لخصمها اللدود.
وعلى وقع هذا الحشد النفسي، تكهرب الموقف فجأة مع إعلان الشروط الخمسة لإنهاء الحرب من كلا الجانبين؛ حيث تمسكت واشنطن بتسليم اليورانيوم المخصب، وتشغيل محطة نووية واحدة، واستمرار تجميد الأصول الإيرانية دون دفع أي تعويضات. وفي المقابل، رفعت إيران سقف مطالبها بوقف القتال على كافة الجبهات بما فيها لبنان، ورفع كامل العقوبات، والاعتراف بسيادتها المطلقة على مضيق هرمز. هذه الشروط المتبادلة تكشف بوضوح عن الترابط العسكري الشديد بين مسارح العمليات، حيث تتخذ إيران من استراتيجية “وحدة الساحات” وحروب الوكالة درعاً لحماية عمقها الداخلي، بينما يمثل مضيق هرمز ورقة الردع الأخيرة لها وضغطاً مباشراً على عصب الاقتصاد الدولي.
وفي اللحظة التي حبس فيها العالم أنفاسه ترقباً لضربة عسكرية أمريكية وشيكة عقب اجتماع ترامب بهيئة الأركان واتصاله بنتنياهو، تجلى الوزن الاستراتيجي للدبلوماسية العربية كصمام أمان للمنطقة؛ إذ نجح التدخل الحكيم من قادة السعودية والإمارات وقطر في تأجيل الهجوم وتحويل المسار نحو طلب تعهدات خطية من إيران بعدم امتلاك السلاح النووي. هذا الدور العربي المستنير يثبت أن أمن الخليج بات يصاغ بعقول أبنائه، بعيداً عن الرغبة في تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.
اليوم، يقف العالم على حافة الهاوية منتظراً ما ستسفر عنه الأيام القادمة؛ فهل ترضخ طهران للشروط الأمريكية تحت وطأة الحصار الاقتصادي المتزايد وبضغط من حليفها الصيني، أم أن لغة السلاح ستسبق طاولات التفاوض؟ الإجابة تكمن في قدرة الأطراف على إدراك أن عامل الوقت لم يعد في صالح أحد، وأن العاصفة إن اندلعت فلن توفر أحداً
زر الذهاب إلى الأعلى