تقارير وتحقيقات

تحليل إستراتيجي في ذكرى النكسة كيف ولدت العقيدة العسكرية المصرية الحديثة من رماد يونيو ١٩٦٧؟

حجم الخط:
فى ظل قراءة متعمقة لمقال معالى اللواء أركان حرب سمير فرج يتضح لنا أنه لم يكن الخامس من يونيو ١٩٦٧ مجرد انكسار عسكري عابر في تاريخ العسكرية المصرية، بل كان صدمة إستراتيجية زلزلت الوعي العربي وأعادت رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط. وفي ذكراه، لا تبدو الشهادة الحية التي يرويها اللواء سمير فرج مجرد استدعاء عاطفي لمرارة الماضي، بل هي قراءة نقدية شديدة الجرأة تفكك شفرات الهزيمة لتكشف كيف تختبئ عبقرية النصر في قلب الخطأ الإستراتيجي المصحح. إنها حكاية جيل انتقل في ست سنوات من التيه في صحراء سيناء إلى الريادة في علم العبور، وهي رحلة تفرض غوصاً عميقاً في تفاصيل عسكرية وسياسية بالغة التعقيد.
تبدأ المعضلة الإستراتيجية لتلك الحقبة من الإشكال السياسي الذي فرض ظلاله على التخطيط العسكري؛ فحين تواردت الأنباء في مايو ١٩٦٧ عن حشود إسرائيلية تهدد الجبهة السورية، كان التحرك المصري مدفوعًا بالالتزام القومي العربي والعقيدة المشتركة للدفاع عن الأشقاء، غير أن هذا الاندفاع السياسي لم ترافقه رؤية عسكرية محددة المهام. لقد سارت القوات المسلحة نحو سيناء فيما عُعرف آنذاك بالمظاهرة العسكرية، وهو مصطلح يفتقر إلى المرجعية في العلوم القتالية الصارمة التي لا تعترف إلا بمهام واضحة؛ إما الدفاع المستميت أو الهجوم الخاطف. هذا الخلل الإستراتيجي الأول جعل القوات الميدانية في حالة ارتباك وتأرجح بين اللا حرب واللا سلم، بانتظار قرار لم تُرسم ملامحه بدقة.
ولم يكن التخبط في تحديد طبيعة المهمة هو الثغرة الوحيدة، بل إن الجسد العسكري كان يعاني إنهاكًا لوجستيًا وتدريبيًا كبيرًا، نتيجة انخراط كتل رئيسية من الجيش في حرب اليمن لسنوات طوال. إن الانتقال المفاجئ من نمط حرب العصابات والكمائن الجبلية في مواجهة القبائل، إلى نمط الحرب النظامية الحديثة التي تتطلب مناورات واسعة النطاق بالأسلحة المشتركة في أرض مكشوفة كصحراء سيناء، أحدث فجوة تدريبية هائلة. لقد افتقرت القوات العائدة لتوهّا من اليمن إلى استيعاب الأساليب التكتيكية المعاصرة، لتجد نفسها فجأة في مواجهة مباشرة على خطوط الحدود أمام عدو يتربص خلف أبراج مراقبته.
وجاءت ساعة الحسم الصادمة في الخامس من يونيو، حين وظفت إسرائيل تكنولوجيا عسكرية فرنسية الصنع بالغة الدقة لتدمير الممرات الجوية المصرية في غضون ساعة واحدة. هذا التحييد الكامل لسلاح الجو حقق للعدو سيادة جوية مطلقة، حرمت القوات البرية من أي غطاء واقٍ، وحولتها إلى أهداف مكشوفة في عمق الصحراء. وتعاظمت الأزمة مع غياب خطة علمية مدروسة للانسحاب؛ إذ تحول التراجع العشوائي تحت وابل القصف إلى كارثة حقيقية، لا سيما عند معبر ممر متلا الضيق، الذي تحول بفعل التكتيكات العسكرية المعادية واستهداف مداخله ومخارجه إلى مصيدة للقوات، انتهت بتدمير الكباري وعزل الجيش عن ضفته الغربية، ليعبر الناجون في قوارب مطاطية تاركين وراءهم أثمن العتاد.
وفي ذروة تلك المرارة، ومع إعلان التنحي في التاسع من يونيو، تجلت عبقرية الشعب المصري الذي رفض الهزيمة السياسية واحتضن مؤسسته العسكرية في مشهد تاريخي فريد. هذا الالتحام منح التفويض المطلق لقيادة جديدة تزعمها الفريق أول محمد فوزي والفريق عبد المنعم رياض، لتبدأ مرحلة التخطيط العلمي الصارم وصياغة العقيدة القتالية من جديد. تحولت جبهة القناة على مدار ست سنوات من حرب الاستنزاف إلى ورشة عمل كبرى ليل نهار؛ حُفرت الخنادق، وزُرعت الألغام، وجرى استيعاب السلاح السوفيتي الحديث تكنولوجيًا وتكتيكيًا، وتحول الفكر العسكري من العشوائية إلى التنظيم المؤسسي عبر خطة عملياتية متطورة تدرجت من المآذن العالية إلى جرانيت.
إن نصر أكتوبر لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاج تكامل عبقري بين جبهة داخلية صامدة تحملت مرارة التهجير الاقتصادي والاجتماعي في مدن القناة، وبين جيش احترافي أصر على التعلم من خطئه ومحو آثار الانكسار، لتظل هذه الملحمة برهانًا سرمديًا على أن الأوطان العريقة قد تمر بوعكات إستراتيجية قاسية، لكنها لا تموت ما دام نبض شعبها ملتحمًا بدرع جيشها
زر الذهاب إلى الأعلى