مقالات

رحيل المرشد زلزال العقيدة وانكشاف الدولة

حجم الخط:

سقوط المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي ليس خبرًا عابرًا في شريط عاجل بل لحظة زلزالية تضرب قلب النظرية التي قامت عليها الدولة منذ 1979. حين يسقط رأس ولاية الفقيه في ذروة اشتباك مفتوح مع إسرائيل وبدعم مباشر من الولايات المتحدة فإن ما يهتز ليس موقعًا سياسيًا بل منظومة شرعية كاملة امتزج فيها المقدس بالسيادي والعسكري بالاستخباراتي.

الرجل لم يكن رئيسًا يمكن استبداله بانتخابات مبكرة. كان مركز الثقل الذي تتفرع عنه خطوط القرار في الحرس الثوري والملف النووي وشبكات النفوذ الممتدة من الخليج إلى المتوسط. غيابه المفاجئ يكشف سؤالًا كان مؤجلًا لسنوات: هل النظام مؤسسة أم هو إرادة رجل؟ وهل تستطيع البنية أن تصمد إذا انكسر رأسها؟
القياس على غياب حسن نصر الله قد يفسر حجم الصدمة الرمزية لكنه لا يلامس عمق التحول البنيوي. هناك نتحدث عن قائد تنظيم مسلح عابر للحدود. هنا نتحدث عن مرجعية دولة تمسك بخيوط جيش واقتصاد وأمن ومشروع أيديولوجي ممتد. الفارق هو الفارق بين اهتزاز ذراع وانكسار عمود فقري.
الخيارات أمام طهران ضيقة وقاسية.
التصعيد يعني حربًا مفتوحة في ظل اختراقات أمنية دامية واستنزاف للنخبة الصلبة.
التراجع يعني إعادة تعريف المشروع كله والانتقال من خطاب الثورة إلى حسابات الدولة.
كلا المسارين مكلف. الأول قد يسرّع الانهيار. الثاني قد ينسف السردية التي غذت النظام أربعة عقود.
غير أن المعادلة لا تتوقف عند إيران. ما يحدث يجري تحت مظلة قوة كاسحة تفرض وقائعها بالنار لا بالتفاوض. اختزال التوازن الإقليمي في منطق الإخضاع الكامل قد يمنح تفوقًا عسكريًا لحظيًا لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا. الشعوب لا تُدار بالضربات الجوية والخرائط لا تثبت بالردع وحده.
إذا تحولت إيران إلى دولة منكمشة على أزماتها فسيُعاد رسم المشهد الإقليمي من جديد. وإذا انزلقت إلى فوضى ممتدة فستولد فراغات تتغذى منها كيانات أشد تطرفًا وأكثر براعة في توظيف التكنولوجيا والسلاح. وفي الحالتين فإن المنطقة تدخل طورًا مختلفًا تتراجع فيه الشعارات الكبرى ويعلو سؤال البقاء.
رحيل المرشد ليس نهاية مرحلة سياسية فقط بل اختبار لصلابة فكرة حكمت إيران منذ الثورة. إما أن يثبت النظام أنه أكبر من رجاله أو يكتشف أنه كان رهين شخص واحد. وفي كلتا الحالتين فإن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة مفصلية ستعيد تعريف موازين القوة وحدود الممكن في زمن لا يعترف إلا بالأقوياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى