مقالات
منى صدقى تكتب: مصر لا تتخلى عن أشقائها.. ورسائل السيسي ترسم ملامح الدولة والمسؤولية الوطنية

حجم الخط:
حين يتحدث الرئيس عن المستقبل، وتؤكد مصر وقوفها إلى جانب السعودية، فنحن أمام رسائل تتجاوز حدود التصريحات إلى معاني الدولة والوفاء والمسؤولية.
في لحظات فارقة من تاريخ الأوطان، لا تُقاس قيمة الكلمات بوقعها الآني فقط، وإنما بما تحمله من رسائل للمستقبل، وما تعكسه من رؤية لمكانة الدولة ودورها، وقدرتها على حماية مصالحها وصون أمن أشقائها. ومن هذا المنطلق، جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة لتفتح بابًا واسعًا للتأمل في عدد من القضايا المهمة، وفي مقدمتها مستقبل القيادة في مصر، وأمن المنطقة العربية، والعلاقات التاريخية التي تجمع مصر بالمملكة العربية السعودية.
أولًا: 2030.. رسالة عن المسؤولية واستمرار الدولة
إن تأكيد الرئيس السيسي أن ولايته الرئاسية تنتهي في عام 2030، وأنه لا يسعى إلى تعديل الدستور لتمديدها، يضع أمامنا قضية جوهرية تتعلق بمستقبل الدولة المصرية، وأهمية الاستعداد للمراحل المقبلة برؤية مؤسسية واضحة.
فالأوطان لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، مهما كانت أدوارهم، وإنما تُبنى بالمؤسسات القوية، والكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، وإعداد الأجيال الجديدة لتولي مواقع القيادة والعمل العام.
ومن هنا، فإن الحديث عن إعداد قيادات مؤهلة للمستقبل يجب أن يكون بداية لنقاش وطني جاد حول معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، وإتاحة الفرصة أمام أصحاب الخبرات والعقول المخلصة للمشاركة في بناء الجمهورية الجديدة.
إن قوة الدولة الحقيقية تظهر في قدرتها على مواصلة مسيرتها، وتجديد دمائها، وضمان انتقال المسؤولية وفقًا للدستور والقانون، بما يحفظ الاستقرار ويعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم ومستقبل وطنهم.
ثانيًا: السعودية ومصر.. علاقة أكبر من حدود السياسة
أما موقف الرئيس بشأن استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية إذا طلبت ذلك، فيحمل دلالات مهمة بشأن طبيعة العلاقات بين البلدين، وما يجمع الشعبين من روابط تاريخية وإنسانية وعربية وإسلامية راسخة.
فالمملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة شقيقة تربطنا بها علاقات سياسية واقتصادية، وإنما تجمعنا بها مصالح مشتركة وروابط ممتدة، فضلًا عن مكانتها الكبيرة في وجدان المسلمين، لاحتضانها الحرمين الشريفين، وما يمثله أمنها واستقرارها من أهمية للعالمين العربي والإسلامي.
ومن هذا المنطلق، فإن الوقوف إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها وسيادتها هو موقف يعكس معنى التضامن العربي، ويؤكد أن أمن الدول العربية مسؤولية مشتركة، وأن الخلافات لا ينبغي أن تكون مدخلًا لتفكيك الروابط بين الشعوب.
وقد جاء اجتماع مجلس الأمن القومي المصري في 18 أكتوبر 2026 ليؤكد التضامن الكامل مع المملكة، والاستعداد لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمنها واستقرارها، بالتوازي مع تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد.
ثالثًا: مصر لا تبحث عن الحرب.. لكنها لا تتخلى عن مسؤوليتها
إن من المهم أن نقرأ الموقف المصري في إطاره الصحيح؛ فالدفاع عن الأشقاء لا يعني الدعوة إلى الحرب، كما أن التمسك بالسلام لا يعني القبول بالاعتداء على أمن الدول أو انتهاك سيادتها.
مصر، بتاريخها ومكانتها، تدرك جيدًا أن الحروب تترك آثارًا عميقة على الشعوب والاقتصادات ومستقبل الأجيال، ولذلك تظل الحكمة السياسية، والعمل الدبلوماسي، وتغليب لغة الحوار، من أهم أدوات التعامل مع الأزمات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على الأمن القومي العربي يتطلب مواقف واضحة، وتنسيقًا مسؤولًا بين الدول، والتزامًا بالقانون والدستور والإجراءات الدستورية المنظمة لأي تحرك عسكري.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن التضامن العربي لا بد أن يكون قائمًا على احترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، ومنع اتساع دائرة الصراع، والعمل الجاد من أجل استعادة الاستقرار.
رابعًا: ما نحتاجه اليوم هو الوعي ووحدة الصف
إن التطورات المتسارعة في منطقتنا تفرض علينا مسؤولية كبيرة في التعامل مع الأخبار والتصريحات، بعيدًا عن المبالغة أو الانسياق وراء الشائعات، فالقضايا المتعلقة بأمن الوطن والمنطقة لا تحتمل التهويل أو التفسيرات غير الدقيقة.
كما أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول يشرح الحقائق، ويعزز الوعي الوطني، ويدعم العلاقات بين الشعوب العربية، دون أن يتجاهل حق المواطنين في النقاش والتساؤل والمتابعة.
وأؤمن بأن قوة مصر لا تنبع من قدراتها العسكرية ومكانتها السياسية فقط، بل تنبع أيضًا من وعي شعبها، وتماسك جبهتها الداخلية، وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للعمل والبناء.
إن الحفاظ على الوطن مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على القيادة أو المؤسسات، وإنما تبدأ من المواطن، ومن الأسرة، ومن كل صاحب قلم وكلمة وموقف.
كلمة أخيرة
إن مصر التي عُرفت عبر تاريخها بدورها العربي، وبحرصها على استقرار المنطقة، مطالبة اليوم بمواصلة أداء هذا الدور بحكمة وقوة واتزان. ومساندة الأشقاء، والاستعداد للمستقبل، واحترام الدستور، كلها معانٍ تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى سياسات واضحة ومؤسسات قوية ونتائج يشعر بها المواطن.
نسأل الله أن يحفظ مصر وشعبها، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية وسائر بلادنا العربية من كل سوء، وأن يجنب شعوب المنطقة ويلات الحروب، وأن يوفق قادتها إلى ما فيه الخير والسلام والاستقرار.
تحيا مصر قوية بأبنائها، وتبقى العلاقات بين الشعوب العربية سندًا في أوقات الشدة، وأملًا في مستقبل يسوده الأمن والسلام.








