مقالات
منصور المغربي يكتب : الحرب المعرفية في عصر الذكاء الاصطناعي وأثرها على النشء

حجم الخط:
لم تعد الحروب في عصرنا الحديث تعتمد فقط على السلاح والمواجهة المباشرة، بل أصبح العقل الإنساني نفسه ميدانًا للصراع، فيما يُعرف بـ**«الحرب المعرفية»**؛ وهي حرب تستهدف تشكيل الإدراك، والتأثير في الأفكار والقيم والاتجاهات، وإعادة صياغة نظرة الإنسان إلى ذاته ومجتمعه ووطنه.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت صناعة المحتوى وتوجيهه أكثر قدرة على التأثير في الأفراد، خاصة النشء والشباب من جيل Z، الذين نشأوا في بيئة رقمية مفتوحة، وأصبحت الهواتف الذكية والمنصات الإلكترونية جزءًا أساسيًا من تكوينهم المعرفي والاجتماعي.
وتكمن خطورة الحرب المعرفية في أنها لا تفرض أفكارها بالقوة، وإنما تعمل بصورة تدريجية من خلال تكرار المعلومات، وانتشار الأخبار المضللة، والمحتوى المصطنع، والصور ومقاطع الفيديو التي قد يتم إنتاجها أو تعديلها بالذكاء الاصطناعي، بما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة. وقد يؤدي ذلك إلى اضطراب المعايير لدى الشباب، وتشويه بعض المفاهيم الوطنية والاجتماعية، وإضعاف الثقة في مؤسسات المجتمع إذا غابت التربية الواعية والتفكير النقدي.
ومن منظور علم النفس التربوي، فإن حماية النشء لا تتحقق بمنع التكنولوجيا أو عزل الشباب عنها، وإنما من خلال بناء عقل قادر على التحليل والتمييز والنقد. فالمواجهة الحقيقية للحرب المعرفية تبدأ من المدرسة والأسرة والجامعة والمؤسسات الثقافية والإعلامية، عبر تعليم الشباب كيفية التحقق من المعلومات، وفهم أهداف الرسائل الإعلامية، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو المحتوى المثير دون وعي.
وهنا تبرز أهمية تنمية قيمة المواطنة لدى جيل Z، ليس باعتبارها مجرد شعارات، وإنما باعتبارها وعيًا بالحقوق والواجبات، وانتماءً مسؤولًا للوطن، واحترامًا للقانون، وقدرة على المشاركة الإيجابية في المجتمع. فالشاب الذي يمتلك وعيًا وطنيًا راسخًا، إلى جانب التفكير النقدي والثقافة الرقمية، يصبح أكثر قدرة على مواجهة محاولات التضليل والاستقطاب والتلاعب بوعيه.
كما يجب أن ننتقل من مفهوم «حماية الشباب من الذكاء الاصطناعي» إلى مفهوم أكثر تقدمًا، وهو تمكين الشباب من استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي ومسؤولية؛ ليصبح أداة للتعلم والإبداع والبحث والإنتاج، وليس وسيلة لاستهلاك المعلومات دون فحص أو تدقيق.
إن معركة المستقبل هي في جانب كبير منها معركة على الوعي والهوية والعقل، ومن ثم فإن الاستثمار الحقيقي في الأجيال الجديدة يبدأ ببناء الإنسان القادر على التفكير، وليس مجرد تلقي المعلومات.
وتظل المواطنة الواعية، والتربية النقدية، والهوية الوطنية المتوازنة، من أهم خطوط الدفاع في مواجهة الحرب المعرفية في عصر الذكاء الاصطناعي.
فالوطن الذي يمتلك شبابًا واعيًا بعقله، معتزًا بهويته، وقادرًا على التمييز بين الحقيقة والتضليل؛ يمتلك أقوى أسلحة المستقبل.
بقلم د. منصور المغربي امين عام حزب حماة الوطن بالقنطرة غرب بالإسماعيلية








