تقارير وتحقيقات
«من يد الحاج صبري إلى أحمد.. حكاية صنعة مصرية تستحق أن تعيش»

حجم الخط:
في وقتٍ تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير المهن وتتبدل أساليب الحياة، تظل هناك نماذج من أبناء هذا الوطن يتمسكون بالحرفة الأصيلة، ليس باعتبارها مجرد مصدر رزق، وإنما باعتبارها تراثًا وهوية وخبرة متوارثة تستحق أن تبقى حاضرة بين الأجيال.
ومن مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، تبرز حكاية الأستاذ أحمد صبري ووالده الحاج صبري، أحد أقدم وأشهر أصحاب الحرف المتخصصة في تلميع النحاس والمعادن، وهي مهنة تحتاج إلى خبرة طويلة، ودقة شديدة، وصبر، ويدٍ ماهرة تعرف قيمة التفاصيل.
صنايعي مصري.. يحمل تاريخ مهنته في يديه
الحاج صبري ليس مجرد صاحب ورشة أو عامل يمارس مهنة تقليدية، بل هو نموذج للصنايعي المصري الذي صنع اسمه بسنوات طويلة من العمل والخبرة، وترك بصمته في مهنة تحتاج إلى مهارة لا يمكن اكتسابها بين يوم وليلة.
فـتلميع النحاس والمعادن من المهن التي تعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة العملية، ومعرفة طبيعة كل معدن، وكيفية التعامل معه وإعادته إلى بريقه ورونقه، وهو ما يجعل أصحاب الخبرة الحقيقية في هذا المجال ثروة مهنية لا ينبغي أن تختفي مع مرور الوقت.
والأجمل في قصة الحاج صبري أن هذه الخبرة لم تتوقف عند جيل واحد، وإنما امتدت إلى نجله أحمد، لتصبح المهنة جزءًا من قصة عائلة اختارت أن تحافظ على قيمة العمل اليدوي، وعلى ما يمكن أن نسميه ببساطة: “الصنعة التي لها أصول”.
أحمد صبري.. جيل جديد يحافظ على المهنة
يمثل أحمد صبري نموذجًا مهمًا للشاب الذي اختار أن يقف إلى جوار والده ويحافظ على مهنة ربما لا تحظى اليوم بالاهتمام الذي تستحقه.
وفي زمن أصبح فيه كثيرون يبحثون عن المهن الأسرع والأكثر انتشارًا، تأتي مثل هذه النماذج لتذكرنا بأن الحرفة ليست أقل قيمة من أي مهنة أخرى، وأن الصنايعي الماهر يمكن أن يكون صاحب قيمة حقيقية في مجتمعه، خصوصًا عندما يمتلك خبرة نادرة يصعب تعويضها.
القضية هنا لا تتعلق بشخص واحد فقط، وإنما بمئات وآلاف الصنايعية في مصر الذين يحملون داخل أيديهم خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة، وبعضها انتقل من الآباء إلى الأبناء، وأصبح جزءًا من التراث المهني والاجتماعي للمجتمع المصري.
هؤلاء هم من يستحقون الدعم الحقيقي
عندما نتحدث عن دعم الشباب وتشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة والحرفيين، يجب ألا يكون الحديث مجرد شعارات.
الدعم الحقيقي يبدأ من الاعتراف بقيمة هؤلاء الناس، وتسليط الضوء على تجاربهم، وتشجيعهم على الاستمرار، وفتح أبواب التطوير والتسويق أمامهم.
فالحاج صبري وأحمد صبري وغيرهما من أصحاب الحرف الأصيلة لا يحتاجون إلى نظرة شفقة، بل إلى تقدير حقيقي لقيمة ما يقدمونه.
يحتاجون إلى أن يعرف الناس أسماءهم، وأن تصل منتجاتهم وخدماتهم إلى أسواق أكبر، وأن تتاح لهم فرص التطوير والتدريب والتسويق الرقمي، وأن تنتقل خبراتهم إلى أجيال جديدة حتى لا تختفي مهن كاملة من حياتنا.
من دمنهور إلى البحيرة.. الحرفة يمكن أن تصبح مشروعًا للمستقبل
دمنهور والبحيرة ليستا فقط مدنًا وأسواقًا ومناطق سكنية، بل تحملان تاريخًا طويلًا من الحرف والصناعات الصغيرة التي صنعت لأصحابها سمعة واحترامًا داخل المجتمع.
ولو تم استثمار هذه الخبرات بالشكل الصحيح، يمكن أن تتحول الحرف التقليدية إلى مشروعات اقتصادية قابلة للنمو والتوسع، خاصة مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية والتسويق الحديث.
فما يملكه الحاج صبري من خبرة، وما يملكه أحمد من قدرة على مواصلة الطريق، يمكن أن يتحول من مجرد مهنة محلية إلى نموذج ناجح لمشروع عائلي يحافظ على التراث ويواكب العصر في الوقت نفسه.
رسالة تقدير قبل أن تكون دعوة للدعم
قصة أحمد صبري ووالده الحاج صبري تستحق أن تُروى، ليس لأنها قصة استثنائية فقط، وإنما لأنها تمثل آلاف القصص التي يعيشها الصنايعية المصريون في مختلف المحافظات.
أناس بدأوا من الصفر، وتعلموا المهنة بأيديهم، وأفنوا سنوات من أعمارهم في العمل، وظلوا يؤمنون بأن العمل الشريف لا يُقاس بمظهره، وإنما بقيمته وأثره.
ولذلك، فإن دعم هذه النماذج لا يعني مجرد مساعدة شخص أو أسرة، بل يعني دعم ثقافة العمل، والحفاظ على الحرف، وصون الخبرة المصرية، ومنح الشباب فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم بأيديهم.
كل التحية للأستاذ أحمد صبري ووالده الحاج صبري، ولكل صنايعي مصري ما زال يتمسك بمهنته ويحافظ على أصولها.
هؤلاء بالفعل هم الناس الذين يحتاجون إلى أن نقف بجانبهم، وأن نمنحهم المساحة التي يستحقونها، وأن نقول لهم بوضوح:
مهنتكم قيمة.. وخبرتكم ثروة.. ووجودكم جزء من حكاية مصر.








