مقالات

شيما فتحي تكتب : في رحاب السيرة النبوية: دروس وعبر من حياة خير البرية ﷺ

حجم الخط:

إن دراسة السيرة النبوية ليست ضرباً من ضروب الترف الفكري، ولا سرداً للتاريخ لمجرد العلم بالماضي. وإنما هي وقوف على ينابيع الهداية، واستجلاء لمعالم الطريق الذي سار عليه خاتم الأنبياء ﷺ في بناء أمة، وإقامة دولة، وتغيير وجه التاريخ.

 

ولما كانت الجزيرة العربية قبل البعثة تعيش في ظلمات الجاهلية، تمزقها العصبية القبلية، وتسودها عبادة الأصنام، وتختلط فيها معاني الكرم والمروءة مع صور الظلم والوأد، كان من حكمة الله تعالى أن يبعث في هذا المجتمع نبياً يخرج الناس من الظلمات إلى النور.

 

المبحث الأول: مولد النبي ﷺ ودلالاته

 

أولاً: زمانه ومكانه ونسبه وُلد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ بمكة المكرمة، في شعب بني هاشم، يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، عام الفيل، الموافق 571م.

وقد كان عام الفيل حادثاً فاصلاً، إذ أراد أبرهة الأشرم هدم الكعبة، فأهلكه الله بجند من طير أبابيل. وكان ذلك تهيئة من الله لبيته الحرام لاستقبال أشرف الخلق.

 

وكان نسبه ﷺ أشرف الأنساب، فهو من صميم العرب العدنانيين، من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقد شاءت الحكمة الإلهية أن ينشأ يتيم الأب والأم، مكفولاً من جده ثم من عمه، لينقطع تعلقه بالخلق، ويكون اعتماده على الخالق وحده.

 

ثانياً: دلالات المولد

إن ميلاد النبي ﷺ لم يكن حدثاً تاريخياً عابراً، بل كان إيذاناً بمرحلة جديدة في تاريخ البشرية. وتتمثل دلالاته في:

– إتمام مكارم الأخلاق: فقد جاء ليتمم ما نقص من معاني الفضيلة في المجتمع الجاهلي.

– إقامة العدل: فوضع أسس المساواة بين الناس، ونبذ الفوارق الطبقية والعصبية.

– نشر العلم: وكانت أول كلمة من الوحي “اقرأ”، إشارة إلى أن رسالته رسالة علم ومعرفة.

– بعث الأمل: ففي أحلك فترات التاريخ ظلاماً، بزغ نور النبوة ليكون بشارة للعالمين.

 

العبرة: إن الله إذا أراد أمراً هيأ له أسبابه. فاليتم والرعي والفقر لم تكن عوائق، بل كانت مدارس أعدت صاحبها لتحمل أعباء الرسالة.

 

المبحث الثاني: العهد المكي.. مرحلة التربية والابتلاء

 

امتدت الدعوة في مكة ثلاث عشرة سنة، وكانت كلها تربية للنفوس وابتلاء للقلوب.

 

أولاً: مراحل الدعوة

– الدعوة السرية: ثلاث سنوات، لتكوين القاعدة الأولى من المؤمنين.

– الدعوة الجهرية: وما تبعها من ألوان الاضطهاد والتعذيب للصحابة، كبلال بن رباح وآل ياسر.

– المقاطعة: في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، حتى أكلوا ورق الشجر.

– عام الحزن: بوفاة خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، ثم جاءت رحلة الإسراء والمعراج تثبيتاً، وبيعة العقبة تمهيداً للهجرة.

 

ثانياً: الدروس المستفادة

يتبين من العهد المكي أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بالجاه، وإنما يكون بالصبر على الأذى، والثبات على المبدأ، واليقين بوعد الله. كما يتبين أن مرحلة التربية لا بد أن تسبق مرحلة التمكين.

 

المبحث الثالث: العهد المدني.. مرحلة البناء والتشريع

 

كانت الهجرة إلى المدينة نقطة تحول في مسار الدعوة، من الدعوة إلى الدولة.

 

أولاً: الأسس التي قامت عليها الدولة

– بناء المسجد النبوي: ليكون مركزاً للعبادة والتعليم والشورى.

– المؤاخاة: بين المهاجرين والأنصار لتوثيق عرى الأخوة.

– صحيفة المدينة: أول وثيقة دستورية تنظم العلاقات داخل مجتمع متعدد.

 

ثانياً: الغزوات دروس في القيادة

كانت الغزوات مدرسة عملية في فنون الحرب والإدارة والسياسة:

– بدر: درس في التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب.

– أحد: درس في أهمية طاعة القائد والالتزام بالخطة.

– الخندق: درس في الإبداع في مواجهة الأزمات والاستفادة من خبرات الآخرين.

– الحديبية: درس في فقه الموازنات وتقديم المصلحة الكبرى.

– فتح مكة: أسمى صور العفو عند المقدرة، وتحقيق قوله تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

 

ثالثاً: أهم معالم القيادة النبوية

– الشورى: لم يستبد برأي، بل كان يشاور أصحابه في السلم والحرب.

– العدل: أقام العدل حتى مع غير المسلمين.

– النظرة المستقبلية: من إرسال الرسائل للملوك إلى إعداد جيش أسامة.

 

السيرة.. من التاريخ إلى الواقع

 

إن قراءة السيرة النبوية لا يمكن أن تقف عند حدود السرد التاريخي أو الاحتفاء الموسمي. فالسيرة في جوهرها ليست ماضياً نرويه، وإنما هي منهج حياة نعيشه، ودستور أمة تقوم عليه.

 

ولقد دلتنا وقائع السيرة أن بناء الأمم لا يكون بالشعارات، وإنما بالتربية أولاً، ثم بالعدل والشورى والعمل. وأن العزة لا تتحقق إلا حين نعود إلى الأصول التي قامت عليها حضارتنا.

 

وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، يبقى السؤال مطروحاً: هل نكتفي بإحياء ذكراه بالكلمات؟ أم أن المطلوب أن نحيي سنته في واقعنا، وبيوتنا، وسياساتنا؟

 

ذلك ما عندي، والله أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى