اهم الاخبارخبر فوريمقالات

منى صدقى تكتب : الموت… بداية الحقيقة

حجم الخط:
كم مرةٍ مرَّ الموت بجوارنا… ولم نره؟
ليس لأن أحدًا لم يمت، بل لأننا اعتدنا رؤيته حتى فقدنا القدرة على تأمله.
نُشيِّع جنازةً، ونقرأ خبر وفاةٍ، ونقف لحظاتٍ أمام قبرٍ جديد، ثم نعود إلى حياتنا كأن الموت كان خبرًا يخصُّ غيرنا، لا موعدًا كُتب علينا جميعًا.
والغريب أن الإنسان لا يشكُّ لحظةً أنه سيموت، لكنه يعيش أكثر عمره كأنه لن يموت أبدًا.
إنها ليست غفلةً عن الموت، بل غفلةٌ عن حقيقة الحياة نفسها.
ولعلَّ الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى برهان؛ لأن كلَّ شيءٍ في هذا الوجود يحدِّثنا عنه.
فالنهار يموت ليولد الليل، والورقة تسقط لتعود شجرةً في ربيعٍ آخر، والطفل يموت عن طفولته ليولد شابًّا، والشباب يودِّع صاحبه ليترك مكانه للكهولة، وحتى أنفاسنا لا تبقى معنا؛ فما خرج منها لا يعود.
وكأن الحياة كلَّها ليست إلا تدريبًا صامتًا على الرحيل، حتى إذا جاءت اللحظة التي نسميها الموت، اكتشفنا أنها لم تكن نهاية الطريق، بل نهاية الوهم الذي ظننّاه الطريق.
ليس الموتُ هو الذي يغيِّر الإنسان، بل الحقيقة هي التي تنكشف له. فالموت لا يصنع شيئًا جديدًا، وإنما يرفع الستار عن شيءٍ كان حاضرًا طوال الوقت، لكن أبصارنا كانت مشغولةً بالصور حتى نسينا المعنى، وبالأشكال حتى غاب عنا الأصل.
فمنذ أن وُلد الإنسان بدأ يجمع الأسماء، حتى ظنَّ أن الاسم هو الحقيقة؛ سمّى هذا بيتي، وهذا مالي، وهذه زوجتي، وهؤلاء أولادي، وهذا جسدي، ثم كرَّر كلمة “لي” حتى صدَّقها، مع أن الله لم يعطه شيئًا على سبيل التمليك، وإنما على سبيل الاستخلاف والأمانة.
ولذلك يأتي الموت، لا ليأخذ منك الأشياء، وإنما ليكشف لك أنها لم تكن لك يومًا، فهو لا يسلبك الملك، بل يسلبك وهم الملك.
ونحن لا نخاف الموت لأننا نعرفه، بل لأننا لم نعرف أنفسنا. فالذي عرف نفسه عبدًا، عرف أن الرجوع إلى مولاه تمام العبودية، أما الذي ظنَّ نفسه مالكًا، فإنه يرى في الموت ضياعًا؛ لأنه بنى عمره كله على ما يزول.
ولذلك كان الموت عند قومٍ فناءً، وعند آخرين لقاءً، ولم يتغيّر الموت، وإنما تغيّرت القلوب التي تنظر إليه.
لقد عاش الإنسان عمره كله في عالم الصور؛ ينظر إلى الجسد فيحسبه الإنسان، وينظر إلى اللسان فيحسبه العلم، وينظر إلى الثوب فيحسبه الوقار، وينظر إلى المنصب فيحسبه الرفعة، وينظر إلى الشهرة فيحسبها الخلود،
بينما الحقيقة كانت دائمًا خلف الصورة تنتظر لحظةً واحدةً يسقط فيها الحجاب، وما الموت إلا تلك اللحظة التي ينكشف فيها المستور، لا لأن الحقيقة وُلدت، بل لأن الغفلة ماتت.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ولم يقل: كل نفس تموت.
وكأن الموت ليس مقامًا يُقيم فيه الإنسان، وإنما معبرٌ يذوقه ثم يتجاوزه إلى ما أعدَّه الله له.
فالذوق لا يكون إلا لشيءٍ يُجاوز؛ يذوق الإنسان الماء ثم يبقى، ويذوق النوم ثم يستيقظ، ويذوق الألم ثم يبرأ، وكذلك يذوق الموت ثم يدخل طورًا آخر من الوجود، أما حقيقة ذلك الطور فلا تُعلم إلا بما أخبر الله ورسوله.
العجيب أننا نبكي على الميت، وربما يكون هو قد انتهى من الامتحان، بينما نحن ما زلنا نكتب الإجابات.
هو رأى ما كنا نؤمن به غيبًا، ونحن ما زلنا نختلف على دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، نتخاصم على أرضٍ سنُدفن فيها جميعًا، ونتنافس على متاعٍ سيتركنا قبل أن نتركه، ونرهق قلوبنا في حفظ ما كُتب عليه الزوال.
كل شيءٍ في هذا العالم يهمس لك بسرِّ الموت، لكنك لا تسمع.
فالشمس تغيب كل مساء لتقول: ليس كل غيابٍ عدمًا، والبذرة تختفي في التراب لتخرج شجرة، والجنين يغادر رحم أمِّه باكيًا لأنه يظن أنه فقد العالم، ولو علم أنه خرج إلى عالمٍ أوسع لابتسم.
فلعل خوفنا من الموت ليس خوفًا من الموت نفسه، بل خوفٌ من مفارقة المألوف، لأن النفس تألف الصورة، بينما الروح تشتاق إلى الحقيقة.
إن أكثر ما يقتل الإنسان ليس الموت، بل نسيان الموت؛ لأن من نسي النهاية أفسد البداية، ومن ظنَّ أن الدنيا دار إقامة حملها في قلبه، أما من علم أنها معبر حملها في يده.
يصيبه الفقد فلا ينكسر، ويأتيه الرزق فلا يتكبر، ويُبتلى فلا يعترض، لأنه يرى الأحداث، ولا يغيب عن مُجريها.
والغريب أن الإنسان يخاف من القبر، ولا يخاف من الذنب الذي يقوده إليه، ويرتعد من سؤال الملكين، ولا يرتعد وهو يأكل حقوق الناس، ويخشى ظلمة اللحد، ولا يخشى ظلمة القلب إذا امتلأ كبرًا وحسدًا ورياءً، فكأننا نخاف الثمرة، ولا نخاف البذرة التي زرعناها بأيدينا.
وما الموت إلا مرآة، لا تزيد فيك شيئًا ولا تنقص منك شيئًا، وإنما تُريك نفسك كما هي.
هناك يسقط المال، ويسقط الجاه، ويسقط النسب، ويسقط التصفيق، ولا يبقى إلا ما كان لله، وهناك يعلم الإنسان أن أغلى ما كان يملكه في الدنيا لم يكن ما في يده، بل ما كان في قلبه.
ولو تأملت حياتك، لرأيت أنك تتدرّب على الموت منذ ولادتك؛ فالطفولة تموت لتولد بعدها مرحلة أخرى، والشباب يودّعك ليأتي الكهول، وكل يوم يموت الأمس ويولد اليوم، وكل نفسٍ يخرج منك لن يعود أبدًا، حتى تأتي اللحظة الأخيرة، فتكتشف أنك كنت تتعلّم الرحيل منذ أول صرخة خرجت بها إلى الدنيا.
ولعل أعظم مصيبة ليست أن يموت الإنسان، بل أن يموت قبل أن يعرف لماذا كان حيًّا؛ أن يقضي عمره يُرمم جدران بيته، ويترك قلبه خرابًا، ويخاف على جسده من المرض، ولا يخاف على روحه من القسوة، ويحرص أن يكون له ذكرٌ بين الناس، وينسى أن يكون له قبولٌ عند الله.
وإذا كان أهل الدنيا يرون الموت نهاية الحركة، فإن أهل البصائر يرونه بداية الانكشاف؛ لأن الحجاب لا يسقط عن الحق، بل يسقط عن العين، والنور لا يولد بعد الموت، بل كانت الأبصار هي التي عجزت عن احتماله.
فالموت ليس انتقالًا من الوجود إلى العدم، وإنما انتقالٌ من عالم الشهادة إلى عالمٍ تتجلّى فيه الحقائق كما هي، بعد أن كانت تُرى من وراء الحجب.
فلا تجعل الموت عدوًّا تخشاه، بل اجعله واعظًا يوقظك، وبابًا يعيدك إلى حقيقتك، فإنه أعظم واعظٍ لا يتكلم، وأصدق ناصحٍ لا يجامل، وأعدل حقيقةٍ لم تستثنِ أحدًا
زر الذهاب إلى الأعلى