مقالات

عبدالحى عطوان يكتب : حين صار صوته وطنًا

حجم الخط:
لم يستيقظ ذات صباح ليكتشف أنه يحبها، وإنما وجدها تتقدم داخله يومًا بعد آخر، بهدوء يشبه تسلل الضوء من نافذة مواربة، حتى أصبحت أول من يرغب في سماع صوتها حين يحدث له شيء، وآخر صوت يفتقده قبل أن ينام. وكانت هي، دون أن تعترف، قد بدأت تعيد ترتيب أيامها على مواعيد مكالماته، حتى صار صوته جزءًا من طمأنينتها اليومية.
ولم يكن انجذابه إليها وليد الكلمات وحدها.
منذ لقائهما الأول، بقيت صورتها عالقة في ذاكرته بتفاصيلها الصغيرة؛ امرأة يحيط بها هدوء رقيق، لا تحتاج إلى صخب الجمال كي تلفت الأنظار. كان في وجهها شيء من النبل، وفي ابتسامتها حياء يمنحها دفئًا خاصًا، أما عيناها العسليتان فكانتا أكثر ما أربكه فيها؛ صافيتين، واسعتين، تحملان مزيجًا غريبًا من القوة والهشاشة، كأن خلفهما حكايات كثيرة اختارت صاحبتها ألا تقولها.
كانت أنيقة ببساطة، رقيقة دون تصنع، وحين تتحدث لا يسبق صوتها حضورها، بل يتسلل إليه في هدوء، حتى يجد المستمع نفسه منصتًا إليها أكثر مما كان ينوي. ومع الأيام اكتشف أن جمالها الحقيقي لم يكن فيما رآه منها، وإنما فيما عرفه عنها؛ في طيبتها، وفي كبريائها الهادئ، وفي تلك الروح التي تستطيع أن تخفي وجعها خلف ابتسامة صغيرة حتى لا تثقل على أحد.
وربما لهذا السبب تحديدًا كان الخبر أقسى عليه مما توقع.
جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.
اتصلت به، وكان في صوتها ارتباك لم تستطع أن تخفيه. أخبرته بعد تردد أن الفحوص كشفت عن ورم في الثدي، وأن عليها أن تبدأ رحلة علاج لا تعرف إلى أين ستقودها.
خاف عليها أكثر مما استطاع أن يخبرها، لكنه منذ تلك اللحظة اتخذ قرارًا صامتًا بألا ترى خوفه أبدًا. كان عليه أن يكون الجدار الذي تستند إليه حين تتعب، لا شخصًا آخر يضيف إلى قلبها مزيدًا من القلق.
ومنذ أن بدأت رحلتها مع المستشفى، أصبح الهاتف رفيقهما الدائم. كان يتابع مواعيد الفحوص والجلسات، ينتظر اتصالها بعد مقابلة الطبيب، ويسألها عن أدق التفاصيل، حتى بدا أحيانًا وكأنه يسير معها في الممرات البيضاء رغم المسافة التي تفصل بينهما.
وكانت كلما تسلل الخوف إليها لجأت إليه.
تقول إنها تخشى النهاية، فيرد بثقة كان يصنع نصفها من إيمانه والنصف الآخر من شدة حبه لها:
— ستشفين… بل إننا جميعًا سنموت قبلك.
فتضحك رغم خوفها، وتعاتبه على طريقته الغريبة في الطمأنة، دون أن تعرف أنه كان، بعد أن يغلق الهاتف، يصمت طويلًا ويدعو الله أن يحقق تلك الجملة التي كان يقولها لها كأنها يقين.
مرت الشهور ثقيلة على جسدها، لكنها قرّبت روحيهما أكثر. كانت في أيام ضعفها تكتشف فيه رجلًا لم يمنحها الشفقة، وإنما منحها شيئًا كانت تحتاج إليه أكثر: الثقة. وكان هو يكتشف كل يوم أنه لم يعد يخشى المرض عليها فقط، بل يخشى فكرة الحياة من دونها.
وبين جلسة وأخرى، وبين فحص وانتظار، كان الحب ينمو في صمت.
لم يحتج أحدهما إلى اعتراف. كانت تعرف من ارتجافة صوته حين يتأخر في الاتصال، وكان يعرف من طريقتها في البحث عنه كلما ضاقت بها الدنيا.
حتى أصبحت حياتها في داخلها تنقسم إلى زمنين: حياة عاشتها قبله، وحياة بدأت منذ عرفته. ولم تكن تنكر ماضيها بقدر ما كانت تتناساه؛ فقد بدا لها بعيدًا، باهتًا، كأنه يخص امرأة أخرى كانت تحمل اسمها قبل أن تعرف ذلك الرجل الذي أعاد تعريف الأمان في قلبها.
ثم جاء موعد الفحص الأخير.
دخلت إلى الطبيب وهي تحمل خوف شهور كاملة، بينما بقي هو ينتظر اتصالها، يراقب هاتفه كما لو كانت حياته كلها محبوسة خلف شاشته الصغيرة.
وحين اتصلت أخيرًا، لم تستطع الكلام.
كان بكاؤها أول ما سمعه.
ارتجف قلبه قبل أن تقول:
لقد شُفيت.
عندها فقط انهارت القوة التي ظل يتظاهر بها طوال الشهور.
أغمض عينيه، وتنفس طويلًا، ثم ابتسم وسط دموع لم ترها، وقال:
ألم أقل لك إننا جميعًا سنموت قبلك؟
ضحكت وهي تبكي.
وفي تلك اللحظة أدرك كلاهما أن المرض لم يكن وحده ما انتهى.
لقد انتهى أيضًا زمن الخوف من الاعتراف.
فقد عادت هي من رحلتها بجسد معافى، بينما خرج هو منها بحقيقة لم يعد قادرًا على إخفائها:
أنه أحبها حبًا جمًّا.
أما هي، فقد أدركت أن الطبيب حين أخبرها بالشفاء أعاد إليها حياتها، لكن الرجل الذي ظل طوال الطريق على الطرف الآخر من الهاتف كان قد أعاد إليها شيئًا ربما كان أثمن من الحياة نفسها
زر الذهاب إلى الأعلى