شئون دولية

اتفاق يتجاوز الأمن… وإعادة رسم موازين القوة في لبنان

حجم الخط:

 

أثار الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية اللبنانية، ليس فقط بسبب طبيعته الأمنية، بل لأن كثيرين يرون فيه إطاراً شاملاً لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في البلاد. فبحسب منتقديه، لا يقتصر الاتفاق على معالجة الوضع الحدودي أو وقف التصعيد العسكري، بل يتناول قضايا سيادية داخلية تمسّ بنية الدولة ودورها ومستقبل القرار الوطني.

 

وتشير القراءة الأولية لبنود الاتفاق إلى أن الجزء الأكبر من الالتزامات يقع على عاتق الدولة اللبنانية، في حين تغيب الضمانات الواضحة المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل والفوري من الأراضي المحتلة، أو بعودة النازحين، أو بالإفراج عن الأسرى، أو حتى بمنع الاعتداءات المستقبلية. ولذلك يعتبر معارضو الاتفاق أنه يكرّس واقعاً جديداً تُربط فيه الحقوق اللبنانية بشروط سياسية وأمنية مسبقة.

 

ومن أكثر البنود إثارة للجدل ذلك المتعلق بطلب دعم الشركاء الدوليين، وخصوصاً العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة، للمساعدة في تنفيذ عملية نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. ويرى منتقدون أن هذا النص يفتح الباب أمام تدخلات خارجية مباشرة في الشؤون اللبنانية، ويحوّل قضية داخلية شديدة الحساسية إلى ملف تديره أطراف دولية وإقليمية.

 

كما يلفت المعارضون إلى أن الاتفاق يحصر حق استخدام القوة بالدولة اللبنانية، في وقت لا يزال فيه جزء من اللبنانيين يعتبر أن معادلة الردع والمقاومة تشكل أحد عناصر حماية البلاد في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. ومن هنا، يبرز التخوف من أن يؤدي تطبيق هذه البنود إلى نقل التوتر من الحدود الجنوبية إلى الداخل اللبناني، بما يحمله ذلك من مخاطر سياسية وأمنية.

 

وفي المقابل، يرى منتقدو الاتفاق أن لبنان دخل هذه المفاوضات في مرحلة كانت تشهد تحولات إقليمية كبرى وأوراق ضغط متعددة كان يمكن توظيفها لتحصيل ضمانات أفضل تتعلق بالسيادة والانسحاب وإعادة الإعمار. إلا أن الصيغة الحالية، بحسب هؤلاء، جاءت خالية من معظم المطالب اللبنانية الأساسية، مقابل التزامات واسعة النطاق تتعلق بالأمن والقرار الداخلي.

 

في المحصلة، لا يدور الجدل اليوم حول اتفاق أمني فحسب، بل حول رؤية كاملة لمستقبل لبنان ودوره الإقليمي وطبيعة توازناته الداخلية. ويبقى السؤال المطروح: هل يشكل هذا الاتفاق مدخلاً لاستقرار طويل الأمد، أم أنه يؤسس لمرحلة جديدة من الانقسامات والأزمات التي قد تواجهها الدولة اللبنانية في السنوات المقبلة؟

زر الذهاب إلى الأعلى