مقالات
عبد الحي عطوان يكتب : امرأة بلا ظل… ضاع عمري بين الخادمة والمطلقة

حجم الخط:
دخلت مكتبي.. وهي تحمل على كتفيها أعوامًا كاملة من الانكسار. كان وجهها يشبه بيتًا هجره أصحابه منذ زمن، وبقي واقفًا يقاوم الريح وحده. علامات التجاعيد والشروخ على وجنتيها تكاد تنطق بحكايتها ،أما عيناها، فلم تكونا تبحثان عن الشفقة، بل كانتا تبحثان عن شاهدٍ يصدق أن هذا القدر من الوجع يمكن أن يسكن قلب إنسانة واحدة.
جلست في هدوء، وأطبق الصمت على المكان، حتى خُيّل إليّ أن الكلمات تخشى الاقتراب منها.
تعلثمت قليلا ثم قالت…
لقد تعبت… ليس تعب الجسد، بل تعب الروح. أشعر أن الحياة مرت من فوقي، وتركتني تحت أنقاضها.”
تركتها تتكلم…
فبعض الحكايات لا تحتاج إلى أسئلة، بل تحتاج فقط إلى قلبٍ يصغي.
قالت وهي تستعيد سنواتها واحدة تلو الأخرى:
“ولدت في قرية بسيطة بمركز طهطا، بين أربعة إخوة. كنت البنت الوحيدة، ولذلك كنت كل شيء… الخادمة، والطاهية، والممرضة، ومنظفة البيت. كنت أستيقظ قبل شروق الشمس، ولا أعرف للنوم طريقًا إلا بعد أن ينام الجميع.انفذ كل الأوامر وكأننى بلا جسم أو قلب عليه أن يرتاح
كبر إخوتي… وكبر معهم نصيبهم من الحياة، أما أنا فكبر نصيبي من العمل.
لم أعرف باب مدرسة، ولم أرتدِ يومًا ثوبًا جديدًا في عيد، ولم يسألني أحد: ماذا تتمنين؟
كنت أرى عمري يمر من نافذتي، وأنا عاجزة حتى عن اللحاق بظلي.” الايام تجرى والسنين تمر والوان الشعر تتغير والملامح بدت أكثر قسوة
تنهدت طويلًا، ثم أكملت:
“وحين تجاوزت الثلاثين، تغير اسمي.
لم أعد فلانة…
أصبحت في نظر الناس (العانس).
كأن المرأة لا قيمة لها إلا إذا سبقها رجل إلى بابها.” خاصة إذا كانت خادمة فى بيت أبيها
ساد الصمت لحظات…
ثم قالت وكأنها تعيد فتح جرحٍ لم يلتئم:
“في أحد الأيام جاء رجل يكبرنى بسنوات، وقال إنه انفصل عن زوجته ويريد الزواج مني. لم أفكر كثيرًا… لم أكن أبحث عن فارس أحلام، كنت أبحث عن نافذة أهرب منها من حياةٍ كانت تخنقني كل يوم.
وافقت…وفى غضون شهور قليله تم كل شئ
لكنني اكتشفت أنني لم أهرب من السجن… بل انتقلت إلى سجنٍ آخر.”
واختنق صوتها…
“وجدت نفسي دخيلة على حياة لا تريدني. لم أعرف يومًا معنى الاستقرار. كنت أستيقظ على خلاف، وأنام على دمعة، وأعيش بين الإهمال والبخل والقسوة والبطاله فهو عامل باليومية على خلاف ما ادعى أنه رجل اعمال
ومع ذلك تحملت…
تحملت لأنني كنت أخشى أن أعود مطلقة. ففي قريتنا، قد يغفرون للرجل كل شيء، لكنهم لا يغفرون للمرأة أنها عادت إلى بيت أهلها.”
ثم صمتت…
كان ذلك الصمت أطول من كل الكلمات التي قالتها.
وبعد لحظات همست:
“وفي يوم، نظر إليّ وقال ببرودٍ غريب:
انتهى كل شيء… ارحلي.”
وأضافت وهي تمسح دمعةً أبت إلا أن تهبط:
“خرجت أحمل طفلَيّ بيد، وقسيمة طلاقي باليد الأخرى… أما قلبي، فلم أعد أعرف أين تركته.”
لم تكن العودة إلى بيت والدى خلاصًا كما ظنت.
“وجدت الأبواب أضيق مما تركتها، والقلوب أبعد مما عرفتها. إخوتي انشغل كل منهم بحياته، ولم يعد لي مكان. شعرت للمرة الأولى أن الإنسان قد يصبح غريبًا حتى داخل البيت الذي وُلد فيه.”
ثم نظرت إليّ نظرةً لن أنساها ما حييت، وقالت:
“اليوم أعيش في منزلٍ يكاد يسقط فوق رأسي. لا أملك من الدنيا إلا طفلَيّ، وبعض الصبر الذي يوشك أن ينفد.
أنا لا أطلب معجزة…
ولا أبحث عن شفقة…
كل ما أريده مكانٌ لا يعاملني كخادمة، ولا يطردني كمطلقة…
أريد فقط أن أشعر أنني إنسانة.”
غادرت…
لكنها لم تأخذ حكايتها معها.
تركتها معلقة في المكان، تتردد بين الجدران، وتطارد ضمير كل من يقرأها.
وأنا أغادر، لم يكن يشغلني سؤالها وحدها، بل سؤال وطنٍ كامل:
كم امرأة ما زالت تحمل وجعها في صمت، حتى إذا انهارت، اكتشف الجميع أنها كانت تستغيث منذ سنوات… ولم يسمعها أحد؟
…ومرت السنوات مسرعة، ت
تاركةً خلفها وجوهًا غابت، وأخرى غيرها الزمن.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أمر أمام أحد المحال التجارية، استوقفتني ملامح امرأة تجلس خلف مكتب المدير. لم يكن المشهد عابرًا، فقد شعرت أنني أعرف هذا الوجه، وإن أثقلت السنوات تفاصيله.
توقفت…
وأعدت النظر.
كانت التجاعيد قد خطّت على وجهها خرائط العمر، وأودعت الأيام شيئًا من قسوتها في الملامح، لكن العينين…
كانتا كما هما؛ ذلك البريق الحزين الذي لا تخطئه الذاكرة، وإن خفت وهجه.
اقتربت منها مترددًا، وقلت:
“أتعرفينني؟”
ابتسمت ابتسامة هادئة، امتزج فيها الامتنان بمرارة الذكريات، ثم قالت:
“وكيف أنسى من استمع إلى حكايتي يومًا؟”
سألتها، وأنا أبحث في وجهها عن بقية الحكاية:
“كيف أصبحتِ هنا؟”
تنهدت، لكن تنهدها هذه المرة لم يكن مثقلًا بالانكسار، بل كان أشبه بزفرة إنسان خرج أخيرًا من نفقٍ طويل.
قالت:
“في ذلك اليوم، أدركت أن البكاء لن يبني بيتًا، وأن انتظار الشفقة لن يصنع مستقبلًا. تعلمت حرفة بيدي، وأتقنتها، ثم بدأت من الصفر. كان الطريق شاقًا، وتعثراتي كثيرة، لكنني كنت أردد لنفسي كل صباح: لن أسمح للهزيمة أن تكون آخر فصول حكايتي.”
وأشارت بيدها إلى المحل، ثم أضافت بابتسامةٍ ملؤها الكبرياء:
“هذا المكان بدأ بحلم صغير… واليوم أصبح مشروعًا أعيش منه بكرامة.”
ثم نظرت إليّ بثقة لم أعرفها في عينيها يوم التقينا أول مرة، وقالت:
“اليوم لم يعد يخيفني لقب مطلقة… ولم يعد يؤلمني أن يتذكرني أحد خادمة.
غادرتها…
لكنني هذه المرة لم أترك خلفي امرأة مكسورة، بل تركت قصةً انتصرت على اليأس.
وأيقنت أن بعض النساء لا تهزمهن الحياة… بل تعيد صياغتهن








