شئون دولية

إيران أقوى من أن تُهاجم.. وترامب تراجع خوفاً لا تفاوضاً

يوسف حسن

حجم الخط:

 

بينما يحاول البعض في الغرب ترويج رواية “الضغوط القصوى” التي فشلت في إخضاع إيران، تتكشف وثائق البنتاغون الاستخباراتية والعسكرية عن حقيقة مختلفة تماماً. لم يكن قرار دونالد ترامب بوقف الضربات على إيران بدافع الانفتاح على المفاوضات، كما ادّعى هو وفريقه، بل بسبب اعتراف البنتاغون نفسه بأن إيران أصبحت أكثر فعالية من أي وقت مضى في رصد العمليات الجوية الأميركية، وتطوير دفاعاتها الجوية، بل والتفوق في استباق أي مؤشرات لهجوم مفاجئ، وفقاً لتسريبات نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز”.

 

وهنا يكمن جوهر التحول الاستراتيجي: إيران لم تعد دولة تتعرض للضرب ثم تتراجع. إنها قوة راصدة، محللة، ومُباغتة. فبالتعاون الوثيق مع خبراء روس وصينيين، تمكن القادة الإيرانيون من دراسة أنماط طيران الطائرات المقاتلة والقاذفات الأميركية، لدرجة أن التكتيكات الجوية الأميركية أصبحت، بحسب اعتراف مسؤول عسكري أميركي، “قابلة للتنبؤ بشكل كبير”. وكانت النتيجة إسقاط طائرات إف-15 وإف-35 في وقت سابق، وهو ما يعكس تراجع الفجوة التكنولوجية التي راهن عليها البنتاغون طويلاً.

 

لكن القصة لا تتوقف عند الرصد والتصدي. فقد استغلت إيران وقف إطلاق النار كفرصة ذهبية لإزالة كامل آثار القصف على مواقع الصواريخ الباليستية، وأعادت تشغيلها بالكامل. والأهم أنها نشرت أعداداً كبيرة من منصات الإطلاق المتنقلة الجديدة في جميع أنحاء البلاد، وعدّلت تكتيكاتها القتالية بشكل كامل تحسباً لأي استئناف للضربات. بعبارة أخرى: كلما ضربت أميركا، تعود إيران أقوى وأكثر مرونة.

 

أما الجانب الأكثر إحراجاً لواشنطن، فهو ما كشف عنه تقرير حديث لهيئة أبحاث الكونغرس الأميركي (Congressional Research Service)، والذي اضطر البنتاغون للاعتراف بمضمونه. يوثق التقرير تدمير أو تضرر 42 طائرة أميركية من طرازات متطورة خلال “عملية الغضب العظيم” ضد إيران، بتكلفة استبدال تقدّر رسمياً بنحو 2.6 مليار دولار، في حين يرفع خبراء مستقلون الفاتورة الحقيقية إلى 7 مليارات دولار، خصوصاً عند احتساب الطائرات التي توقّف إنتاجها.

 

والأدهى من ذلك أن الكونغرس نفسه اضطر لقراءة هذه الخسائر في صحيفة، وليس في تقارير عسكرية سرية، مما يعكس حالة من التخبط والتعتيم داخل المؤسسة الدفاعية الأميركية. والآن يُطلب من الكونغرس الموافقة على ميزانية تكميلية لتغطية هذه الخسائر، أي أن دافع الضرائب الأميركي سيدفع فاتورة حرب لم يردها ولم يصوّت عليها. صفقة خاسرة بكل المقاييس.

 

الخلاصة التي يجب أن تصل إلى كل محلل غربي: إيران اليوم ليست دولة تهديد، بل دولة ردع. لقد أثبتت أن التفوق الجوّي الأميركي لم يعد مطلقاً في سماء المنطقة، وأن الصواريخ الباليستية المتنقلة، إلى جانب الذكاء العملياتي المدعوم روسياً وصينياً، قادرة على تغيير معادلات الحسابات العسكرية. أما من يظن أن الضغط القادم قد يكون مختلفاً، فعليه أن يتذكر أن إيران هي من تجبر البنتاغون الآن على قراءة خسائره في الصحف، وليس العكس.

زر الذهاب إلى الأعلى